هل أبت العربية أن تتنصّر ؟ القدس تُجيب…

ناصر الياس الخوري

حين يُذكر التراث المسيحي العربي، تتجه الأنظار غالباً إلى المراكز الثقافية التي ازدهرت في دمشق أو بغداد أو أنطاكية، بينما تغيب عن الوعي العام حقيقة تاريخية راسخة تؤكدها الدراسات العلمية الحديثة، وهي أن البذرة الأولى لهذا التراث نبتت في الأرض التي شهدت التجسد والصلب والقيامة والعنصرة، أي في فلسطين، وفي حضن بطريركية الروم في القدس، المعتبرة بحق ” أم الكنائس” والتي خرجت منها الجماعة المسيحية الأولى، ومنها انطلقت البشارة إلى العالم. وإذا كانت القدس وأكنافها مهد الكنيسة المسيحية، فإنها أيضاً المهد الذي وُلد فيه اللاهوت المسيحي العربي وتشكلت فيه أولى معالم الأدب العربي المسيحي.

إن هذه الحقيقة التاريخية، التي باتت من المسلمات الأكاديمية بين الباحثين العالميين، ليست تعبيراً عن قراءة عاطفية للتاريخ، بل نتيجة توصلت إليها عقود من البحث العلمي في المخطوطات العربية المبكرة. فالتراث المسيحي العربي ليس ظاهرة وافدة، ولا ثمرة مراكز بعيدة عن الأرض المقدسة، بل هو نتاج محلي أصيل، نشأ في البيئة الكنسية الأرثوذكسية في فلسطين، وتبلور داخل أديرة بطريركية القدس استجابةً للتحولات السياسية واللغوية والثقافية التي شهدها المشرق منذ منتصف القرن الثامن الميلادي.

تكوّنت الهوية الثقافية لبطريركية القدس عبر ثلاث طبقات تاريخية متعاقبة ومتكاملة. بدأت بالطبقة الآرامية ، التي مثّلت الامتداد الطبيعي للغة السيد المسيح والجماعة المسيحية الأولى، وتجسدت لاحقًا فيما يسميه الباحثون الآرامية الفلسطينية المسيحية CPA. ثم جاءت الطبقة اليونانية، التي أصبحت لغة اللاهوت والكتابة الكنسية والإدارة في العصر البيزنطي، وحملت التراث الآبائي والعقيدة الأرثوذكسية . وأخيرًا برزت الطبقة العربية منذ منتصف القرن الثامن الميلادي، لتصبح لغة المؤمنين والليتورجيا واللاهوت، دون أن تقطع صلتها بالإرثين الآرامي واليوناني، بل استوعبتهما ونقلتهما إلى فضاء حضاري جديد.

من هنا تكمن فرادة بطريركية الروم المقدسية وأديارها فهي لم تكن مجرد حارسة للأماكن المقدسة، بل كانت أيضاً حارسة للذاكرة الرسولية، وصانعةً لواحدة من أهم التحولات الثقافية في تاريخ المسيحية المشرقية والعالمية. ففي الوقت الذي تغيرت فيه لغة المجتمع، لم تنكفئ الكنيسة على لغة الماضي، بل استطاعت أن تجعل من العربية لغةً للصلاة ولتفسير الكتاب المقدس ولصياغة العقيدة وللدفاع عن الإيمان. كما لم تكن العربية مجرد أداة ترجمة بل أصبحت لغة إنتاج لاهوتي أصيل ومبدع [i].

لقد شهدت أديرة جنوب فلسطين، ولا سيما دير القديس سابا ودير القديس خاريتون  ودير القديسة كاترينا في سيناء المرتبط تاريخياً وإدارياً ببطريركية الروم في القدس، نهضة فكرية غير مسبوقة منذ منتصف القرن الثامن الميلادي 750 م. ففي هذه الأديرة نشأت حركة واسعة لترجمة الكتب المقدسة والنصوص الآبائية والليتورجية إلى العربية، لكنها سرعان ما تجاوزت حدود الترجمة إلى التأليف والإبداع، فظهرت مؤلفات عربية أصلية تعالج القضايا اللاهوتية والفلسفية والرعائية بلغة عربية رفيعة، مستوعبةً مصطلحات الثقافة العربية الناشئة ومحافظةً في الوقت ذاته على أمانة التقليد الآبائي الأرثوذكسي.

وتشهد المخطوطات الباقية على هذه النهضة الفكرية. فمن أقدم النصوص العربية اللاهوتية الأصلية رسالة «في الله الواحد الثالوثي»، المحفوظة في مخطوطة سيناء العربية 154، والتي يرجع تأليفها إلى نحو سنة 753م في بيئة فلسطينية ارثوذكسية خلقيدونية. كما يمثل كتاب «جامع وجوه الإيمان»، الذي نسخه إسطفانوس الرملي ( نسبة إلى مدينة الرملة الفلسطينية) سنة 877م في دير مار خاريتون، مرحلة متقدمة من النضج اللاهوتي العربي، إذ يقدم عرضاً منهجياً للعقيدة المسيحية بلغة عربية دقيقة. وتكشف هذه النصوص أن المسيحيين العرب في فلسطين لم يكونوا مجرد مترجمين لتراث يوناني أو سرياني، بل كانوا مفكرين ولاهوتيين أسهموا مساهمة كبرى في بناء خطاب مسيحي عربي متكامل.

ولم يقتصر هذا النشاط على مجال اللاهوت العقائدي، بل شمل ثلاثة ميادين رئيسية شكّلت معاً هوية التراث المسيحي العربي. أولها التراث اللاهوتي والدفاعي، حيث صيغت الردود على الأسئلة والتحديات الفكرية الجديدة بلغة عربية تستوعب مصطلحات عصرها دون أن تتنازل عن مضمون العقيدة الأرثوذكسية. وثانيها التراث الكتابي، إذ بدأت في هذه الأديرة أقدم الترجمات العربية للأسفار المقدسة، ووصلت إلينا مخطوطات نفيسة للأناجيل ورسائل الرسل من القرنين التاسع والعاشر، تشهد على مشروع علمي منظم لنقل الكتاب المقدس إلى العربية. أما المجال الثالث فهو التراث الليتورجي، حيث تُرجمت الصلوات والنصوص الطقسية تدريجياً، فأصبحت العربية لغة العبادة إلى جانب اليونانية، مما أتاح للمؤمنين أن يعيشوا الليتورجيا بلغتهم الأم دون أن تنقطع صلتهم بالتقليد الكنسي.

ولعل أهم ما يميز هذه التجربة أنها لم تكن قطيعة مع الماضي، بل استمراراً له. فقد هيأت الآرامية الفلسطينية المسيحية بوصفها لغة سامية الطريق أمام العربية، إذ اعتادت الكنيسة المقدسية منذ قرون أن تعبّر عن إيمانها بأكثر من لغة. ولذلك جاء الانتقال إلى العربية انتقالاً عضوياً وطبيعياً، لا انقلاباً ثقافياً. فالعربية ورثت دور الآرامية في مخاطبة الشعب، كما ورثت من اليونانية عمقها اللاهوتي، فجمعت بين الأصالة الرسولية والانتماء الحضاري العربي.

وقد أثبتت الدراسات الحديثة هذه الحقيقة بصورة لا تدع مجالاً للشك. فقد وضع جورج غراف الأساس الببليوغرافي لدراسة الأدب المسيحي العربي، ثم جاء الأب سمير خليل سمير ليكشف القيمة اللاهوتية للنصوص العربية المبكرة ويحقق عدداً كبيراً منها. أما سيدني غريفيث، فقد بيّن في أبحاثه أن أديرة فلسطين كانت المختبر الأول الذي تشكل فيه الأدب المسيحي العربي في القرنين الثامن والتاسع، وأن العربية أصبحت فيها لغة للتفكير اللاهوتي، لا مجرد لغة ترجمة. وأسهم بعده باحثون بارزون، مثل مارك سوانسون، وألكسندر تريغر، وصموئيل نوبل وبيير المصري وفيليب ستوكس، في دراسة المخطوطات والجوانب التاريخية واللغوية لهذا التراث، مؤكدين أن نقطة الانطلاق الأولى كانت في البيئة الكنسية الأرثوذكسية في فلسطين.

ولا يعني ذلك التقليل من شأن المراكز المسيحية الأخرى في المشرق، فقد أسهمت أنطاكية وبلاد الشام والعراق ومصرفي إثراء التراث المسيحي العربي خلال القرون اللاحقة، وأنجبت علماء ومفسرين ولاهوتيين كباراً. غير أن التمييز بين مهد النشأة ومراكز الازدهار والانتشار ضرورة تاريخية ومنهجية. فكما انطلقت المسيحية من القدس قبل أن تنتشر في العالم، كذلك انطلقت الكتابة اللاهوتية العربية من أديرة فلسطين قبل أن تزدهر في سائر أقاليم المشرق.

واليوم يحظى هذا التراث باهتمام متزايد في الجامعات العالمية ومراكز الأبحاث، حيث تُحقق مخطوطاته وتُنشر نصوصه وتُدرس لغته وأطروحاته الفكرية واللاهوتية ونوعية الخط. إلا أن هذا الاهتمام العالمي يقابله، في كثير من الأحيان، ضعف في الوعي المحلي بقيمته التاريخية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة إدراج هذا التراث في الذاكرة الثقافية للأردن وفلسطين، بوصفه جزءاً أصيلاً من هوية الأرض المقدسة، ومن التاريخ الحضاري العربي، لا مجرد إرث كنسي خاص، وأحسب أن جامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية مدعوة أن تضع هذا التراث في مقدمة أولياتها لجهة التعليم والبحث والتحقيق التاريخي بوصفه جزءاً مهما وجوهريا من تراث الأراضي المقدسة  في فلسطين والأردن.

إن إعادة الاعتبار لهذا التراث ليست عملاً أكاديمياً فحسب، بل هي استعادة لصفحة مشرقة من تاريخ الكنيسة الأم. فبطريركية الروم في القدس لم تحرس القبر المقدس وبيت لحم والأماكن المقدسة فحسب، بل حفظت أيضاً الكلمة، ونقلتها من اليونانية والآرامية إلى العربية، لتظل رسالة الإنجيل حيّة في لغة شعوب هذه المنطقة. ومن هنا فإن التراث المسيحي العربي ليس ظاهرة هامشية ولا نتاجاً مستورداً، بل هو ثمرة الأرض التي سار عليها المسيح، ونتاج الجماعة الكنسية التي وُلدت يوم العنصرة، وإبداع أديرة بطريركية القدس الرومية التي استطاعت أن تجمع بين الأمانة للتقليد والانفتاح على لغة العصر.

لقد خرج الإنجيل من القدس إلى العالم، ومن القدس أيضاً خرجت البدايات الأولى للاهوت المسيحي العربي. وهذه الحقيقة الدامغة لا تضيف مجداً إلى الأراضي المقدسة في فلسطين بقدر ما تسلّط الضوء على الدور التاريخي البارز الذي لعبته في تكوين هذا التراث المسيحي العربي كونها المهد التاريخي الذي وُلد فيه هذا التراث العظيم قبل أن يصبح جزءاً من التراث الفكري والحضاري للمشرق العربي وللعالم بأسره.


[i] ملاحظة منهجية : تقتصر هذه المقالة على دراسة التراث المسيحي العربي “المكتوب”، ولا يتناول تاريخ الوجود العربي المسيحي قبل الإسلام. فقد شهدت الجزيرة العربية وفلسطين وشرق الأردن وجنوب بلاد الشام عموما وجود قبائل وجماعات عربية مسيحية منذ القرون الأولى للمسيحية إلا أنه، في حدود الشواهد المتوافرة حتى اليوم وما خلا بعض النقوشات، لم يصل إلينا تراث عربي مسيحي مكتوب يُقارن بالحركة الأدبية واللاهوتية التي ازدهرت في أديرة فلسطين الأرثوذكسية منذ منتصف القرن الثامن الميلادي.

Reviews

60 %

User Score

2 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *