التجسد الإلهي تدبير الخلاص و التأله غاية الخَلق
الاستاذ ناصر الياس الخوري
برز في بعض التوجهات اللاهوتية المعاصرة رأيٌ يفترض أن التجسّد الإلهي كان سيحدث حتمًا حتى لو لم يسقط الإنسان، وأن الابن كان سيتجسد بوصفه الغاية الأولى للخليقة. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى قراءة جزئية لبعض نصوص آباء الكنيسة، ولا سيما القديس مكسيموس المعترف، متجاهلين مجمل السياق اللاهوتي الذي كُتبت فيه تلك النصوص. ولطالما حذّر الأب جورج فلوروفسكي ، الملقّب بزعيم اللاهوتيين الأرثوذكس، من اجتزاء أقوال الآباء وعزلها عن بنيتها الفكرية الشاملة، لأن ذلك يقود إلى استنتاجات لا تعبّر عن التقليد الأرثوذكسي بقدر ما تعكس تصورات فردية تُسقط على النصوص القديمة. ولا يكمن الخلل في هذا الرأي في كونه افتراضًا عقليًا فحسب، بل في اعتماده منهجًا غريبًا عن اللاهوت الأرثوذكسي. فآباء الكنيسة لم يبنوا تعليمهم على أسئلة افتراضية من قبيل: “ماذا لو لم يسقط آدم؟”، بل انطلقوا من الإعلان الإلهي كما يقدمه الكتاب المقدس، ومن خبرة الكنيسة الليتورجية والنسكية. فاللاهوت الأرثوذكسي لا يرفض التأمل الروحي والاجتهاد في التفسير، لكنه يميّز بين التأمل المنطلق من الوحي وبين الافتراض الذي يتجاوز حدود ما أعلنه الله. وخلاصة الإعلان الكتابي أن الإنسان خُلق للشركة مع الله، ثم سقط بإرادته الحرة، فتحنن الله عليه ووعده بالخلاص الذي تحقق في ملء الزمان بتجسد ابنه الوحيد. ومن المسلّم به أن الله، في علمه الأزلي، كان يعلم مسبقًا بسقوط الإنسان، غير أن علم الله لا يعني أنه شاء السقوط أو أراده، لأن إرادة الله لا تتجه إلا إلى الخير والحياة. أما السقوط فهو انفصال عن الله، وبالتالي فساد وموت، وهذه كلها ليست من مشيئة الله. لذلك ارتبط التجسد الإلهي، في إيمان الكنيسة الأرثوذكسية، ارتباطًا عضويًا بتدبير الخلاص، فهو العلاج الإلهي الذي أعدّه الله لشفاء الطبيعة البشرية من نتائج العصيان. ولا يقتصر هذا العلاج على غفران الخطايا، بل يشمل تجديد الطبيعة الإنسانية في العمق وإبطال سلطان الموت والفساد وإعادة الإنسان إلى الشركة مع الله. فالخطيئة، في الفكر الآبائي، ليست مجرد مخالفة أخلاقية، بل مرض أصاب الكيان الإنساني كله، ولذلك جاء المسيح بوصفه الطبيب الإلهي الذي يشفي الطبيعة من الداخل. ومن هنا كثرت في كتابات الآباء صور الطب والشفاء والكنيسة كمشفى روحي عند حديثهم عن سر التجسد الإلهي. يؤكد الكتاب المقدس هذا الارتباط الوثيق بين التجسد والخلاص. فقانون الإيمان يعلن صراحة: «الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنس». كما قال الملاك ليوسف: «وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم» (متى 1: 21). ويقول الرسول بولس: «صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلّص الخطاة» (1 تيموثاوس 1: 15)، ويضيف: «ولكن الله بيّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا» (رومية 5: 8). أما الرسالة إلى العبرانيين فتوضح أن الابن اشترك في اللحم والدم «لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس» (عبرانيين 2: 14)، ويقول الرسول يوحنا: «لأجل هذا أُظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس» (1 يوحنا 3: 8). فجميع هذه النصوص تربط مجيء المسيح بخلاص الإنسان من الخطيئة والموت، لا بحدث مستقل عن مأساة السقوط. وهذا هو أيضًا إجماع التقليد الآبائي. فالقديس أمبروسيوس يقول: «ما هو مبرر التجسد إن لم يكن تحرير الإنسان الذي أخطأ؟». ويؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم أن المسيح «لبس جسدنا لا لسبب آخر إلا لخلاص جنس البشر». أما القديس أثناسيوس الرسولي، ففي كتابه تجسد الكلمة، فيعلّم أن الكلمة صار إنسانًا لأن البشر كانوا قد خضعوا للفساد والموت، فجاء ليجدد الطبيعة ويعيد إليها عدم الفساد. ويعبّر القديس إيريناوس أسقف ليون عن الفكرة نفسها بقوله إن المسيح «أعاد في نفسه تخليص الإنسان»، أي أصلح في طاعته ما أفسده آدم بعصيانه. كما يرى القديس كيرلس الإسكندري أن اتحاد الكلمة بالطبيعة البشرية هو الدواء الإلهي الذي يشفي فسادها ويعيد إليها الحياة. إن التعمق في فكر القديس مكسيموس المعترف يقود إلى النتيجة نفسها إذا قُرئ في سياقه الكامل. فهو يعلّم أن القصد الأزلي لله هو تأليه الإنسان واتحاده بخالقه، لكنه لا يجعل التجسد غاية مستقلة عن هذا القصد، بل يراه التدبير الذي به تحققت هذه الغاية بعد سقوط الإنسان. ومن هنا ينبغي التمييز بين الغاية والوسيلة؛ فغاية الله منذ البدء هي أن يشترك الإنسان في الحياة الإلهية بالنعمة، أما التجسد فهو الوسيلة التاريخية الخلاصية التي ارتضاها لله كيما يخلص الإنسان ويقوده من جديد نحو الغايةالأصلية من الخلق أي التأله والقداسة. والذي أره أن الخلط بين الغاية والوسيلة هو السبب الرئيس في سوء فهم بعض نصوص القديس مكسيموس.
وبناءً على ذلك، فإن القول إن التجسد كان سيحدث حتى لو لم يسقط الإنسان يثير إشكالًا لاهوتيًا. فإذا افترضنا –جدلًا– أن آدم وحواء بقيا في الطاعة وسارا في طريق القداسة والتأله، فما معنى التجسد عندئذ؟ سيصبح أقرب إلى مكافأة يمنحها الله لإنسان بار، بينما تعلن الكنيسة أن التجسد هو أسمى إعلان للمحبة الإلهية غير المشروطة والمنسكبة تواضعا نحو الإنسان الخاطئ. فالمسيح لم يدخل عالمًا كاملًا، بل دخل عالمًا مكسورًا ساقطا، وحمل في جسدهطواعية نتائج السقوط ليهزم الموت بصلبه وقيامته إن القول بالتجسد سواء سقط الإنسان أو لم يسقط، ناهيك عن كونها فكرة غير كتابية وغير آبائية فإنها فكرة تشوّه معنى التجسد وتحجب معناه الأصلي، ذلك إن عظمة سرالتجسد، التي تفوق عظمة الخلق نفسها، تكمن في التواضع والتنازل الإلهي من أجل بشر خطأة لا أبرار لذلك يقول الرب: «لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة» (لوقا 5: 32)، فاتحد ابن الله بطبيعتنا الساقطة، من دون أن يشترك في خطيئتها، لكي يشفيها ويرفعها إلى الشركة معه. صفوة القول، إن التقليد الأرثوذكسي، كتابًا مقدسًا وآباءً وليتورجيا، يجمع على أن التجسد الإلهي هو قلب التدبير الخلاصي الذي أعدّه الله لمعالجة نتائج سقوط الإنسان، وإبطال سلطان الخطيئة والموت، وقيادة الإنسان إلى الشركة مع الله والتأله بالنعمة. من هنا تأتي العبارة الآبائية الشهيرة التي صاغها القديس أثناسيوس: «صار الله إنسانًا لكي يصير الإنسان إلهًا بالنعمة». فالتأله هو الغاية، أما التجسد فهو الطريق الذي افتتحه الله في تدبيره الخلاصي بعد سقوط الإنسان. أما تحويل التجسد إلى حدث مستقل عن السقوط، فلا يجد سندًا واضحًا في مجمل التقليد الكنسي، بل يقوم على قراءة مجتزأة لبعض النصوص الآبائية مع عزلها عن سياقها. لذلك يبقى إعلان الكنيسة العقائدي ثابتًا: «الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس …»، أي أن التجسد هو من أجل الخلاص،الخلاص من نتائج السقوط أعني الشر والخطيئة والفساد والموت، التجسد الإلهي، بكلام آخر، هو التعبير الأسمى عن محبة الله التي انحنت لتقيم الإنسان الساقط وتعيده إلى المجد الإلهي الذي أعدّه الله له قبل إنشاء العالم.











