نَفَخَ في وجوهِهِم
“وفي مَساءِ ذلِكَ الأحدِ، كانَ التلاميذُ مُجتمِعينَ والأبوابُ مُقفَلةٌ خَوفًا مِنَ اليَهودِ. فجاءَ يَسوعُ ووقَفَ بَينَهُم وقالَ سلامٌ لَكُم. وأراهُم يَدَيهِ وجَنبَهُ، ففَرِحَ التلاميذُ عِندَما شاهَدوا الرَّبَّ. فقالَ لهُم يَسوعُ ثانيَةً سلامٌ لَكُم كما أرسَلَني الآبُ أُرسِلُكُم أنا. قالَ هذا ونَفَخَ في وجوهِهِم وقالَ لهُم خُذوا الرُّوحَ القُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُم لَه خطاياهُ تُغفَرُ لَه، ومَنْ مَنَعْتُم عَنهُ الغُفرانَ يُمنَعُ عَنهُ. وكانَ توما، أحدُ التلاميذِ الاثني عشَرَ المُلقَّبُ بالتَّوأمِ، غائِبًا عِندَما جاءَ يَسوعُ. فقالَ لَه التلاميذُ رأينا الرَّبَّ فأجابَهُم لا أُصَدِّقُ إلاَّ إذا رَأيتُ أثَرَ المَساميرِ في يَدَيهِ، ووَضَعْتُ إصبَعي في مكانِ المساميرِ ويَدي في جَنبِهِ” (يوحنّا 20: 19 – 25).
هذا المقطع الإنجيليّ نقرأه في غروب أحد الفصح وبلغاتٍ متعدّدة في إثنين الباعوث، وموسَّعًا في أحد توما، الأحد الذي يلي القيامة.
الخائفون من الموت أتاهم السّلام. يقف غالبُ الموت بينهم، فيما بينهم، في وسطهم، وكأنّي به يدخل إلى قلبي، إلى قلبك. هو وحده معطي السّلام. كلُّ سلامٍ ممنّ عداه كاذِب وزائِف. يأتيك سلامه مع فرَح اليقين … قد قام، ها هوّذا. ها الخوف أيضًا تبدَّد.
كلّنا اليوم في موقف التّلاميذ. أقفلنا على أنفسنا، تقوقعنا. ألا فلنبدِّد الخوف، المسيح معنا. يريد أن يرسلنا إلى العالم، وقد رفضنا.
دعني أجُسّك، ألمس جراحَكَ. لا، لا لستُ أُريد، سلامُك يكفي، فقد أجَزتني من خوف الموت.
تشدُّنا دائمًا عبارة “خذوا الرّوح القدس” ولا نعود ننتبه لسواها. ها قد سكبه فينا، لِمَ العنصرة لاحقًا إذن؟
في القيامة تجدّدت الخليقة والإنسان، أُعيدَ الخلق من جديد.
“وجبَلَ الرّبُّ الإلهُ آدَمَ تُرابًا مِنَ الأرضِ ونفَخَ في أنْفِه نَسَمَةَ حياةٍ. فصارَ آدمُ نفْسًا حيَّةً”(تكوين 2: 7).
“قالَ هذا ونَفَخَ في وجوهِهِم وقالَ لهُم خُذوا الرُّوحَ القُدُسَ”.
هذه ألـ َنَفَخَ كتلك. في البدء صار آدم نفسًا حيَّة وها هنا أُحيِ الإنسانُ من بعد موت.
“وبارَكَهُمُ اللهُ، فقالَ لهُم أُنْمُوا واكْثُروا … وتَسلَّطوا على سمَكِ البحرِ وطَيرِ السَّماءِ وجميعِ الحيوانِ الّذي يَدِبُّ على الأرِضِ” (تكوين 1: 28).
في البدء أعطاه الله السّلطان على ما على الأرض. وفي الولادة الجديدة فسلطانٌ أَعظم!
خُلِقَ الإنسان في الفردوس ومن ثمّ نُفي منه بسبب المعصية وعدم إطاعة الله، واستحوذ الموت على الإنسان. فجاء ابن الإنسان مولودًا تحت النّاموس، حيث انتهى الإنسان. أخلى الرّبّ نفسه وما تخلّى. ابتدأ من حيث انتهينا.
هناك، على أحد الأنهر الجارية وسط الفردوس، عند الظّهيرة جلس الشّيطان… “ها هي مقبِلة”؛
“أحقًّا أمركُما الله ألا تأكلا من جميع شجر الجنّة؟” أخذ المحتال المرأة على حين غرَّة وأطال حديثه.
“ورأتِ المَرأةُ أنَّ الشَّجَرةَ طيِّبةٌ لِلمَأكلِ وشَهيّةٌ لِلعَينِ، وأنَّها باعِثَةٌ لِلفَهْمِ، فأخذَت مِنْ ثَمَرِها وأكَلَت” (تكوين 3: 6).
“وكانَ يَسوعُ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، فقَعَدَ على حافَةِ البئرِ. وكانَ الوَقتُ نحوَ الظُّهرِ. فجاءَتِ امرأةٌ سامريَّةٌ تَستَقي مِنْ ماءِ البِئرِ” (يوحنّا 4: 6).
اليهود لا يخالطون السّامريّين، فكيف تخالِط هناك حوّاء إبليس!
سألته السّامريّة: ألِعلَّك أعظم من أبينا يعقوب الذي أحيانا بهذا الماء؟ وحوّاء لم تسأل المفتري: ألعلَّك أعظم من بارينا؟
“صدِّقيني أيّتها المرأة”؛ أصابت كلماته صميم قلبها… إنّي أصدّقك ….
إنّي أؤمن. ألأنكَ رأيتَ آمنت؟
يا ربّ ما أعظم أفعالك.
وما برحتَ تصنع كلّ شئ حتّى أحييتنا وأعدتنا لملكوتك.
في البدء نصب الشّيطان فِخاخه وقيَّدنا خارِجًا. وابن الإنسان جاء ليحرِّر الأسرى، ليُطلِقَ المقَيَّدين. هذه المرّة هو مَن نصب فِخًّا لإبليس فوقع فيه ولا خلاص له. حاول إبليس أن يُغوي ابن الإنسان كما فعل من قبلُ مع المرأة، ومن حينها أخذ يتربّص به.
لقد نجحتُ أخيرًا وها هو معلَّقٌ على الصّليب ….. ولكن! آآآآآهٍ
لم يتسنَ لآدم أن يأكل من شجرة الحياة، فكسرها الرّبّ بيده عند العشاء الأخير.
“وكانَ اللهُ اختارَ المسيح قَبلَ إنشاءِ العالَمِ، ثُمَّ تَجَلَّى مِنْ أجلِكُم في الأزمِنَةِ الأخيرَةِ” (1 بطرس 1: 20).
من الموت أجازنا الرّبّ إلى الحياة. عَكَس ابن الإنسان دورة الحياة.
“مَن غَفَرتُم لَهُم خَطاياهُم تُغفَر لَهُم”، مَن يقدِر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده؟
يا لمحبّتك يا ربّ؟ فأنت لم تزل تصنع كلّ شئ إلى أن أحييتنا وأجلستنا معك وألَّهتنا، وإلا فكيف نقدر أن نغفر الخطايا؟
“أنا قلتُ أنتُم آلهةٌ وبَنو العليِّ كُلُّكُم” (مزمور82: 6).
“اَللهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ اللهِ. فِي وَسْطِ الآلِهَةِ يَقْضِي” (مزمور82: 1).
“ثمَّ رأيتُ عروشًا مُنِحَ الجالِسون عليها حقَّ القضاء” (رؤيا 20: 4).
“كُلّ مَن يغلِب سأُجِلِسُه معي على عرشي كما غَلَبتُ أنا أيضًا فجَلَستُ مع أبي على عَرشِه” (رؤيا 3: 21 ).
“يَجلِس بنوهم أيضًا على عرشِكَ إلى الأبد” (مزمور 132: 12).
“أمَّا الذينَ قَبِلوهُ، المُؤمِنونَ باسمِهِ، فأعطاهُم سُلطانًا أنْ يَصيروا أبناءَ اللهِ” (يوحنّا 1: 12)
وَمِن: أنا نور العالم (يوحنّا 8: 12) إلى… أنتم نور العالم (متّى 5: 14)
كما أرسلني الآب أرسلكم … ها أنذا يا ربّ.
الأناجيل لا تقول بأنّ توما لمس الرّبّ، أو أيًّا من التّلاميذ لمسه. هذا الجسدُ المتألّهيُستعصى إدراكه بمحدوديّتنا وبمحسوسيّتنا، يا لرحمتك يا ربّ.
الأب الياس بركات
المسيح قام
فصح 2026











