مشهدية سبت النور العظيم في مدينة القيامة وعلى وطأة حرب الأربعين يوماً
وقف إطلاق النار الهشّ الذي مهد الطريق قبل 72 ساعةً فقط للنور المقدس الحقيقي!
مشهدية سبت النور العظيم في مدينة القيامة وعلى وطأة حرب الأربعين يوماً
مقال بقلم: هبه هريمات | 12 أبريل 2026
أورشليم.. من بين رائحة الحجارة القديمة وال 33 شمعةً المضاءةً حديثًا من قبرٍ ذاك الذّي أًعلن وبوضوح نصرهُ على سُلطان الموت. تلك هي رائحة سبت النور في طرقات البلدة القديمة وبالتحديد أزقة الحي المسيحي في القدس يوم الحادي عشر من أبريل 2026، عامٌ كنا قد ظننا أنه سيُحفظ بالذاكرة لصمته وانعدام بسمة الأمل فيه وغياب قرع طبول الكشاف إيذاناً بإعلان قيامة الرب من الأموات.
عادةً، بحلول يوم الاثنين المقدس، يتحوّل طريق الآلام إلى ساحةٍ تعجّ بالحجاج الوافدين من أثينا وصولاً إلى أديس أبابا. هذا العام، كان هذا الدرب أشبه بمدينة أشباح بتفاصيل معمارية أجمل. أتذكر أنني كنت أتحدث في وقتٍ سابقٍ من ذلك الأسبوع مع كاهنٍ أرثوذكسي، وسألته: “كيف تبدو مراسم النور المقدس هذا العام؟” هزّ كتفيه، في حركةٍ يتقنها سكان الشرق الأوسط بامتياز، “النور المقدس لا يتابع الأخبار يا عزيزتي. لا يكترث لوقف إطلاق النار أو مسار المحادثات. إنه قادمٌ على أي حال. السؤال هو: هل نحن مستعدون لاستقباله؟”
بنفس هذا الإيمان الراسخ والثبات العنيد، وبوقع إيقاع الضربات على أرضية الحجر الباردة من العِصّي الفضّية للقوّاس، أصحاب زي الحرس العثماني التقليدي الذين يتقدمون مواكب بطاركة القدس، والصوت المميز الذي يُسمع فقط في أحياء المدينة المقدسة، دقة بدقة بدقة، هكذا هو نبض هذه المدينة الذي يرفض أن يموت، حتى عندما يظن العالم أنها على وشك الانهيار.
هذا تذكيرٌ مباشر بأنه بينما ينظر الناس في الغرب إلى الأرض المقدسة على أنها مجرد متحف أو شريط عواجل في نشرة أخبار لا تنتهي، فإنها بالنسبة لأهلها هي، كما قال نزار قباني في وصف محبوبته “فأنتِ البلاد.. وأنت القبيلة.. وأنت القصيدة قبل التكوّن، أنت الدفاتر.. أنت المشاوير.. أنت الطفولة..وأنت نشيد الأناشيد..أنت المزامير..أنت المضيئة..أنت الرسولة..” فقد تكون فيها الحياة أحيانًا عبئاً ثقيلاً لا يُطاق، ولكنها هي البيت في نهاية المطاف.
مشهدية الخشوع الممزوج بالخوف والترقب في قلب كنيسة القيامة، حيث الهواء مضغوط ، ليس فقط بحرارة الرطوبة المتصاعدة من الأجساد المتراصة، بل بوقع آثار حربٍ أمضت الأربعين يومًا الماضية في محاولة لتمزيق معنويات الشعب. حشودٌ من داخل الكنيسة ممن سُمح لهم بالدخول والمئات في محيطها وعلى مداخل الأبواب التاريخية للمدينة، ممن لم يُسمح لهم بالعبور، يحملون حزمًا من ثلاثة وثلاثين شمعة من عسل النحل ذهبي اللون، تنتظر مشاركة شرارة القيامة… مشاركةٌ بدت، لأربعين يوماً، مستحيلة.
لأسابيع، كانت منطقة غرب آسيا أو ما اصطلح سياسياً على تسميتها الشرق الأوسط، ندبةَ العالم. لم تقتصر الحرب على هزّ نوافذ المدينة المقدسة، بل وأغلقت قلبها. خلال عيد القيامة اللاتيني، في الأسبوع السابق، كانت هذه الأبواب نفسها موصدة. شوارع البلدة القديمة كانت فارغة، محالها مغلقة وأطفالها معزولون بالبيوت. بدا مفهوم “القيامة” أقل فرحاً وأقرب إلى مزحة قاسية ترويها كتب التاريخ.
ثم، في خميس الأسرار، بينما كنا جميعًا نستعد لعيد فصح يشبه فصح حقبة كورونا في عام 2020، انتشر الخبر. وقف اطلاق نار لمدة أسبوعين. هش؟ بالطبع هو كذلك وللغاية. كان أشبه بمناورة دبلوماسية على حدّي حبل رفيع. لكنه كان كافياً. انفتحت الأقفال. انزلقت المزاليج. وتوافدت حشود المؤمنين.
مشهد موكب رهبان الروم الأرثوذكس من المحليين واليونانيين وهم ينزلون بأرديتهم السوداء على شكل عامودين على الدرج المؤدي لكنيسة القيامة، يبعث في النفس تساؤلاً عما إذا كان من حق مدينة أن تأخذ فترة نقاهة أو وقتاَ مستقطعاَ؛ فإن القدس، بتاريخها الحافل بالصدمات النفسية والرضوض الجسدية على مر القرون، وكأنها تعيش في حالة تأهب دائم وقلق شديد، قد تكون من أولى مدن العالم أحقية بهذة الأمنية! إلا أن اليوم، العلاج جاء بقالب مختلف، كان أشبه بشحنة كهربائية محمومة ويائسة لأناس مُنحوا فجأة، وبشكل غير متوقع، فرصة للتنفس.
داخل كنيسة القيامة، كان الجو أقرب إلى “ثورة روحية” منه إلى “طقوس دينية”. إنها الكنيسة المسيحية صاحبة الإرث الأقدم والأهم في العالم، بُنيت بالتحديد فوق المكان ذاته الذي صُلب عليه “رجل يُدعى المسيح” (يوحنا 11:9) دُفن، ثم قام من بين الأموات! بُنيتها كما مُؤمنوها تمزج بين ملامح الأقواس الرومانية والفسيفساء البيزنطية، وآثار دخانٍ تعود لقرونٍ مضت. حالها حال قلوب سكان المنطقة: عتيقة، مُثخنة بالجراح، ولكنها لا تزال تنبض بالحياة. في قلب كل هذا، تقع “المعجزة العظيمة”، القبر الفارغ.
سبت النور في التقويم المسيحي هو الحدث الأبرز. وفقًا للتقاليد، يدخل بطريرك الروم الأرثوذكس قبر السيد المسيح وحيدًا، وتُطفأ جميع أنوار الكنيسة. في الخارج، ينتظر الآلاف. ثم يخرج حاملًا رزمة شموع ال 33، رزمة بكل يد، مُضاءةً من داخل القبر بلهبٍ غير قابلٍ للاحتراق، شرارة مباشرة من القيامة الإلهية.
هذا العام، كان الانتظار مختلفًا. لم يكن مجرد طقس، بل كان بمثابة استفتاء. لم نكن ننتظر نورًا فحسب، بل كنا ننتظر دليلًا على أن الظلام لا ينتصر.
حُرر البطريرك، ثيوفيلوس الثالث، من ثيابه الكهنوتية وبقي بملابسه البيضاء البسيطة. أُغلِقَ باب القبر وراءه. ساد الصمتُ، صمتٌ يخترق القباب. ودخل القبر الفارغ، رمز الأمل الأسمى، مكانٌ يُعرَّف بما لم يعد موجودًا فيه، جسدُ القدوس.
ثم تحدث المعجزة..
لا ترى اللهب أولًا، بل تسمعه. هديرٌ مدوٍّ، موجةٌ صوتيةٌ تنطلق من الضريح وتندفع نحو المدخل. “المسيح قام!” يهتف حشد الشباب المسيحي المحلي المحيط بالقبر بأعلى أصواتهم. “فَكَانَ نُورٌ” (تكوين 3:1). يظهر البطريرك، وجهه مشرق، يمسكُ بلهبٍ ساطعٍ وأملٍ لا يُجزأ.
ثمّ يبدأ أثر الدومينو، يتدافع الشباب المحيطين بالقبر لأخذ بركة الشرارة الأولى، وقبل أن تدرك العين نور. نور. نور… يندفع اللهب عبر الظلام كما يُفرض وقف إطلاق النار على خطوط الجبهة الأمامية. وفجأةً، تكون الكنيسة قد امتلأت بفيض من النور الإلهي.
وبين دموع النساء اللاتي يبكين من سطوة المشهد، ورجال يمررون اللهب على لحاهم لقطع الشك باليقين أن نور المخلص لا يُحرق بل يشفي صدوراً أثقلتها وطأة الحروب! لا يسع المرأ الا أن يقف بذهول وانبهار وبعيون لا تقاوم مدمعها أمام وقارٍ إلهيٍ لا لبس فيه!
ليالينا التي سرقت الحرب طعم هدوئها، وأطفالنا التي سرقت أصوات الانفجارات لمعة أعينهم، اليوم نقف لنرى أن هناك درساً تعلمه لنا نيران السبت المقدس: النور لا يتجاهل الظلمة، بل يسخرها لفرض سلطانه الحقيقي.
إذن فالأمل ليس حالة ذهنية، بل هو فعل صمود. إنه القرار، أن تقف في قبرٍ فارغٍ محاطٍ بالدخان والخوف، وأن تضم لصدرك شمعةً غير مضاءة في انتظار شرارة.
مع انتهاء الطقوس وبدء خروج الناس ببطءٍ من الكنيسة إلى شمس القدس الساطعة في منتصف النهار، تبدأ الشموع بالتموضع داخل الفوانيس لتكون في غضون ساعات على متن الطائرات والسيارات، مسافرةً إلى الناصرة، إلى بيت لحم، إلى عمّان، وإلى أثينا. لتستنير منطقة البحر المتوسط بنورٍ نسيت شكله الحقيقي.
نعلم جميعًا أن الهدنة لن تدوم. فالسياسة مُعقّدةٌ جداً؛ والجراح عميقةٌ جدًا. سيُغلق القبر الفارغ مجدداً وقد تعود حالة عدم الاستقرار؛ لكن لمدة 72 ساعة، دُحرج الحجر. سُمح لنا بالوقوف في مكانٍ لم ينتصر فيه الموت. القبر الفارغ ليس متحفًا لمعجزة انتهت وقُضي الأمر. إنه وعد. وعدٌ بأنه عندما يبدو الليل أطول ما يكون، فالنور بطريقه إلينا. وبظني أن المعجزة هذا العام لا تكمن في انبثاق النور وحده، بل تكمن أيضاً في حقيقة أنه، وبالرغم من صافرات الإنذار، وبالرغم من إغلاق الحدود، وبالرغم من تعقيدات الحياة، حضرت الناس وحضّرت معها شموعها المقرونة بايمان راسخ انها ستضاء… وأُضيئت!
المسيحُ قام!











