حينَ تُزهرُ القَداسةُ في زَمَنِنا…القدِّيسُ باييسيوس الأثوسيُّ أيقونةُ الرَّجاءِ للشَّباب
في عالمٍ تُقاس فيه قيمةُ الإنسان بما يملك، أو بعدد متابعيه، أو بما يحقّقُه من نجاحاتٍ سريعة، يقف القدِّيس باييسيوس الأثوسيّ شاهدًا على حقيقةٍ مختلفة تمامًا: إنَّ قيمةَ الإنسان لا تأتي ممّا يملكه، بل ممّن يسكنُ قلبه. ومن هنا، لم يكن هذا القدِّيس مجرّدَ راهبٍ عاش في جبل آثوس، بل أصبح صوتًا روحيًّا يخاطب الإنسان المعاصر، ويُعيد إليه البوصلة التي كثيرًا ما يفقدها وسط ضجيج الحياة.
لم يكن القدِّيس باييسيوس يرى الإيمانَ مجموعةً من القوانين أو الواجبات، بل علاقةَ حبٍّ حيَّة مع المسيح. لذلك كان يؤكّد أنَّ المسيحي لا يعيش ليُثبت أنَّه صالح، بل لأنَّه اختبر صلاحَ الله. فالإنسان لا يتغيّر بالخوف، بل بالمحبّة، ولا ينمو بالإدانة، بل بالنّعمة. وهذه هي الرؤيةُ الأرثوذكسيّة للحياة الرّوحيّة؛ إذ تبدأ كلُّ مسيرة التّغيّير من لقاء الإنسان بالمسيح، لا من الاعتمادِ على قوّتِه الشّخصيّة.
لقد أدرك القدِّيس باييسيوس أنّ الشَّبابَ لا يحتاجون إلى من يُلقي عليهم المواعظَ بقدر ما يحتاجون إلى من يفهمهم ويصغي إليهم. لذلك، كان يفتح قلبَه قبل أن يفتح فمه، ويمنح كلَّ شخصٍ شعورًا بأنَّه محبوبٌ ومقبول. كان يعرف أنّ القلب الذي يشعر بالمحبّة يصبح أكثر استعدادًا لسماع كلمة الله، وأنَّ الرّاعي الحقيقيّ لا يقودُ النّاس بالعصا، بل بالمثال والاحتضان.
ومن أجمل ما ميّز شخصيّتَه، أنّه كان يرى في كلِّ إنسان صورةَ الله، مهما كانت خطاياه أو ضعفه. لم يكن ينظر إلى الإنسان من زاوية سقوطه، بل من زاوية الإمكانيّة التي زرعها الله فيه. وهذا ما تحتاجُه كنيستُنا اليوم؛ أن تنظر إلى الإنسان بعين المسيح، لا بعين الأحكام المسبقة، وأن ترى في كلِّ شابٍّ مشروعَ قداسة، لا مشروع فشل.
لقد علّمنا القدِّيس أنّ التواضع ليس أن يقلّل الإنسانُ من قيمة نفسه، بل أن يعرفَ أنّ كلَّ عطيّةٍ صالحةٍ هي من الله. فالإنسان المتواضع لا يبحث عن المجد لنفسه، بل يفرح عندما يظهر مجدُ الله في حياته. ولهذا السّبب، بقي تأثير القدِّيس باييسيوس كبيرًا رغم أنّه لم يسعَ يومًا إلى الشّهرة أو أن يتحدّثَ النّاسُ عنه. فالمسيح هو الذي رفع مَنِ اتّضع، وجعل من حياته رسالةً حيّةً للأجيال.
وفي زمنٍ تُستنزف فيه القلوبُ بالقلق والخوف من المستقبل، يدعونا القدِّيس باييسيوس إلى الثّقة الكاملة بعناية الله. لم تكن هذه الثّقةُ هروبًا من الواقع، بل إيمانًا بأنَّ الله يعمل حتّى في أكثر الظّروف صعوبة. وكان يردّد أنَّ القلب الذي يمتلئ بالمسيح لا تهزِمُه الأزمات، لأنّه يجد سلامَه في حضور الله، لا في تغيّر الظّروف.
إنَّ الكنيسة اليومَ لا تحتاج فقط إلى شبابٍ يعرفون العقيدة والإيمان ، بل إلى شبابٍ يعيشونَها. تحتاج إلى وجوهٍ تُشبه المسيح في رحمتها، وإلى كلماتٍ تُشبه الإنجيل في صدقها، وإلى قلوبٍ ترى في الخدمة أسلوب حياة، لا مجرّدَ نشاطٍ موسمي. وهذا ما قدّمه القدِّيس باييسيوس؛ فقد أثبتَ أنّ أقوى عظة يمكن أن يسمعها العالم هي حياةٌ مملوءةٌ بالمحبّة، والصّلاة، والتّواضع.
في عيد هذا القدِّيس العظيم، لا تدعونا الكنيسةُ إلى الإعجاب بشخصه فحسب، بل إلى الاقتداء بروحه. فالقداسة ليست امتيازًا للرّهبان وحدَهم، ولا هي دعوةٌ لفئةٍ محدّدة، بل هي طريق كلِّ معمَّدٍ اختار أن يجعل المسيح مركز حياته. وعندما يصبح المسيح هو المركز، تتغيّر نظرتُنا إلى أنفسنا، وإلى الآخَرين، وإلى العالم كلِّه.
ولا يزال القدِّيس باييسيوس يوجّه إلينا السّؤالَ نفسَه: هل نعيش المسيحيّةَ كعادةٍ نمارسُها، أم كحياةٍ تُغيّرُنا؟ وبين هذين الخيارَين، تبدأ رحلةُ القداسة التي لا تنتهي عند حدود الأرض، بل تمتدّ إلى ملكوت الله، حيث يكتمل في الإنسان جمالُ الصّورة التي خُلِق عليها منذ البَدء.











