حقيقة قيامة المسيح

 بين فصاحة القبر الفارغ ويقين النص وشهادة الدم

الأستاذ ناصر الياس الخوري

​تعُدّ قيامة الرب يسوع من بين الأموات الركيزة الكبرى في الإيمان المسيحي وهي غاية غايات التدبير الإلهي، فنحن في الزمن الفصحي المجيد لا نحتفي بمجرد حدث تاريخي عابر، بل نبتهج ونتلألأ بالعماد الذي يقوم عليه كياننا المسيحي كله. ففي قلب الإيمان المسيحي، النابض بالحياة الجديدة، تتردد صرخة بولس الرسول المدوية حين قال في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: “وإن لم يكن المسيح قد قام، فباطلة كرازتنا وباطل أيضاً إيمانكم” (1 كورنثوس 15: 14). ذلك أن لفظ ” باطل” يفيد، في أصله اليوناني، الفراغ وانعدام الجدوى. من هنا فإن الإيمان المسيحي بدون قيامة المسيح  يصبح فارغا وبلا جدوى ، وهذا يأخذنا إلى أصل الحكاية الكتابية أعني  السقوط ونتائج الخطيئة الجَدية التي جرّت الشر والفساد والموت على الجنس البشري، فأجرة الخطيئة هي الموت كما يقول الكتاب، وقد تجسد المسيح لأجل هذه الساعة، ساعة عبوره الطوعي للموت والانتصار عليه بقيامته الظافرة التي تعطي المعنى الأعمق لكل التدبير الإلهي وتهب الخليقة بأسرها الحياة الجديدة الخالدة.

 إن الناظر إلى أيقونة القيامة التي لا تعادلها أيقونة في الكنيسة يفهم أن غاية الإيمان المسيحي هو استرداد آدم وحواء والجنس البشري كله من السقوط وإعادة الشركة مع الله بواسطة ابنه الوحيد الذي أقامه من بين الأموات كباكورة للإنسان الجديد المتحد بالله، تلك بالضبط غاية الخلق أي الاتحاد بالله والتي صارت ممكنة بفعل التجسد الإلهي الذي بلغ مرماه الأخير في القيامة المجيدة التي هي “الكل في الكل”، فبدونها تصبح المسيحية فلسفة أخلاقية جوفاء، والكرازة مجرد وعظ عن شخص علم تعاليما سامية وصنع معجزات غير أن حياته انتهت على خشبة الصليب، بيْد أن القيامة قلبت كل المفاهيم رأسا على عقب وأضحت المفتاح التفسيري ليس لمسيرة التجسد الإلهي فحسب بل لكل كلمة نطق الله بها للإنسان منذ بدء الخليقة والكون والتاريخ.

ولمّا كانت قيامة المسيح تنطوي على هذه الأهمية لجهة الإيمان فإنها تستند أيضا في حقيقة وقوعها في الزمن التاريخي والمدى الجغرافي إلى جملة من الأدلة التاريخية في رأسها القبر الفارغ ويقين النص التاريخي وشهادة الدم التي صبغت حياة الكنيسة منذ تأسيسها.

فصاحة القبر الفارغ والدليل المادي:

​تبدأ رحلة التحقق من المواجهة المباشرة مع المادة، وتحديداً من جغرافية القبر الفارغ في أورشليم. إن الدليل المادي الأول الذي قدمه المسيحيون الأوائل لم يكن رؤيا أو “شعوراً باطنياً، بل كان مكاناً جغرافياً محدداً في بستان يوسف الرامي. القبر في المفهوم اليهودي والأثري لم يكن مجرد حفرة في التراب، بل كان غُرفة منحوتة في الصخر الصلد، مما يعني أن الجسد لا يمكن أن “يختفي” أو “يتحلل” فجأة دون أثر مادي. هذا القبر كان “جديداً”، أي لم يوضع فيه أحد من قبل، مما يقطع الطريق على أي خلط بين جسد المسيح وجسد آخر، ويجعل من فراغه لغزاً لا يحل إلا بالقيامة.

​إن التوسع في تأمل واقعة القبر الفارغ يقودنا إلى منطق “الاستحالة التاريخية”؛ فالمسيحية انطلقت من القدس، وهي المدينة ذاتها التي صُلب فيها المسيح ودُفن. لو كان الجسد لا يزال في القبر، لكان أسهل رد للسلطات الرومانية واليهودية هو “إخراج الجسد” بأي طريقة وعرضه أمام الملأ لإسكات التلاميذ وتفنيد ادعاء القيامة في مهده. لكن صمت السلطات أمام القبر الفارغ كان “دليلا في حد ذاته؛ فقد اضطروا لاختراع رواية “سرقة التلاميذ للجسد” (متى 28: 13)، وهي رواية تثبت “فراغ القبر” وتعجز عن تفسيره. إن الحجر العظيم الذي سُد به القبر، والذي كان وزنه ثقيلا جدا ، والأختام الرومانية التي كانت تعني الموت لمن يكسرها والحراسة المشددة التي لا يمكن لتلاميذ خائفين أن يغلبوها، كل هذه الشواهد المادية تحول القبر الفارغ من مجرد “مكان” إلى “وثيقة تاريخية صلبة” لا تقبل الجدل، تثبت أن قوة الحياة قد هزمت صخر الموت.

 إننا في تكريمنا وإجلالنا للقبر الفارغ ربما لا نجانب الصواب إذا قلنا إنه الخطيب الأول في تاريخ الكنيسة الأشد بلاغة والأقوى حجة لأنه في ذاته الدليل المادي الناطق بأجمل ما يمكن أن تسمعه البشرية عن ما صنع الله من أجل خلاصها.

الأكفان في القبر والدليل المادي الثاني:

​في عمق هذا القبر، وبرغم فراغه من الجسد، لم يكن القبر خالياً من الشهادات، بل برزت تفاصيل “الأكفان” التي توقف عندها القديس يوحنا ذهبي الفم بمنهجه التحليلي الفذ، مستخرجاً منها البراهين المادية القاطعة على القيامة. يحلل الذهبي الفم رواية الإنجيل التي تذكر أن بطرس ويوحنا دخلا القبر ووجدا الأكفان “موضوعة” في مكانها، بينما كان المنديل الذي على رأسه ملفوفاً في موضع وحده. يشرح الذهبي الفم أن هذا النظام المذهل وهذا الترتيب الدقيق ينفيان تماماً فرضية السرقة، فالسارق، في حالة الذعر والعجلة والارتباك، لا يملك ترف الوقت لفك الأكفان الملتصقة بالجسد بفعل الحنوط والصمغ الذي يجعل الكفن يلتصق بالجلد كأنه جزء منه، ثم ترتيبها بهذا الشكل الهادئ والمتأني. إن وضعية الأكفان كانت توحي بأن الجسد “عبر” من خلال المادة كما يعبر الضوء من الزجاج، تاركاً غلافه المادي خلفه كشاهدٍ صامت على قيامة إرادية سلطانية. هذا الصمت المادي لم يُترك للتأويل البشري، بل شقّ الإعلان الإلهي – الذي تكرّر في الأناجيل الأربعة- حُجب الحيرة وقضى على دابر الشكوكية بظهور الملائكة الذين ربطوا بين مادية القبر ويقين السماء بإعلانهم القاطع للمريمات: “ليس هو ههنا، لكنه قد قام كما فقال!”.

يقين النص: رسالتا بولس إلى أهل تسالونيكي وإلى أهل كورنثوس

​هذا الحدث المادي والجغرافي الذي انطلق من القبر الفارغ، وجد صداه المباشر في يقينيّة النص المكتوب إذا جاز التعبير، والذي وثّق القيامة في وقت مبكر جداً بحيث يقطع الطريق على أي ادعاء بأنها “أسطورة متأخرة”. نبدأ من رسالة تسالونيكي الأولى، التي كُتبت حوالي عام 50 ميلادياً، أي بعد أقل من عشرين عاماً فقط على الحدث. في هذا النص المبكر جدا، يتحدث بولس الرسول عن القيامة كحقيقة راسخة ومقبولة سلفاً من المؤمنين، مؤكداً أن “يسوع مات وقام” (1 تسالونيكي 4: 14). هذا النص يثبت أن لاهوت القيامة لم يكن تطوراً فلسفياً أو اسطوريا متأخراً، بل كان هو “الخبر الأول” والأساس العقدي الراسخ الذي قامت عليه الكنيسة الجامعة الرسولية منذ عصورها الأولى.

​ثم ننتقل إلى رسالة كورنثوس الأولى، المكتوبة عام 54 ميلادياً أي بعد عشرين عاما من حدث القيامة، والتي تُعد  بحق”دستور القيامة”. هنا لا يكتفي بولس بإعلان الخبر، بل يقدم تقريراً توثيقياً للظهورات التاريخية في الإصحاح الخامس عشر، مؤكداً الأمانة في النقل: “فإنني سلّمت إِليكم ،ْ أولا وقبل كل شيء، مَا تسلّمته أَنَا أَيْضًا: أَنَّ المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب، وَأَنه قُبر، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب”. ثم يسرد قائمة الشهود العيان: “أأنه ظهر لصفا (بطرس)، ثم للإثني عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة أَخٍ، أَكثرهم باق إِلَى الآنَ”. إن إشارة بولس إلى “الخمسمئة أخ” وقوله إن “أكثرهم حياً” كانت دعوة للتحقق الميداني الممكن في عصره، لكأنه يقول إذهبوا إليهم واسألوهم بأنفسكم، ولو لم يكن متيقنا لما ذكر ذلك أصلا. وذروة هذا النص هي شهادته الشخصية: “وآخر الكل —كأنه للسقط— ظهر لي أنا “. فالمسيح القائم الذي رآه بطرس، هو ذاته الذي أوقف بولس في طريق دمشق وغيّر رؤاه و كيانه كله، ليتحول من مضطهد للكنيسة إلى خادم للقيامة، مما يثبت أن الأساطير لا تنمو ولا تتشكل في قترة زمنية قصيرة لا تتجاوز جيلا واحدا  وفي ظل وجود مئات من الشهود العيان، كما أنها لا تغير حياة من كان عدوا ومضطهدا للكنيسة مثل – شاول – بهذا التغيير الجوهري ليصير بولس العظيم رسول الأمم.

شهادة الدم دليل الصدق:

​ لقد انتقل الرسل والتلاميذ من حالة الخوف المطبق والأبواب المغلقة إلى شجاعة مذهلة تقتحم الموت بلا خوف. وهنا يظهر “دليل الدم”؛ فقد قبل الرسل والشهداء الأوائل أن يواجهوا بثبات لا يتزعزع أبشع أنواع العذاب والموت بفرح المؤمن الواثق، لأنهم لم يدافعوا عن فكرة ذهنية، بل عن “شخص” عرفوه ولمسوه ورأوا في جسده أثار الصلب والمسامير وأكلوا معه بعد قيامته المجيدة. إن استشهاد الرسل هو الختم النهائي المضرّج بالدم على حقيقة القبر الفارغ؛ إذ لا يوجد إنسان يبذل حياته من أجل كذبة وهو يعلم أنه هو من اختلقها. لقد فقد الموت سطوته عليهم لأنهم عاينوا “بكر القائمين”، فصار الموت مجرد معبر نحو مَن غلب الموت ووهبهم الحياة الأبدية.

القيامة كفعل عبور روحي:

​ وبالانتقال من التاريخ  إلى معانيه الخلاصية المعيشة، فإن القيامة تتجلى كفعل المحبة الإلهية القصوى تجاه الإنسان، إنها اللحظة التي لم يكتفِ فيها الخالق بمواساة مخلوقه في موته، بل نزل إليه ليشاركه هذا الموت ويهزمه ويقضي على سلطانه، فأين شوكتك يا موت وأين غلبتك يا هاوية كما يقول الكتاب. هذه المحبة الإلهية التي تفوق كل عقل تستدعي من طرفنا استجابةً من النوع ذاته أي  محبةً قصوى تتجاوز الأنا المقيتة وأهوائها وشهواتها، ففي فجر القيامة، نردد ببهجة وسرور: “ولنصفح لمبغضيا عن كل شيء في القيامة”. هذا الصفح هو اختبار لانتصار الروح القيامية في صميم حياتنا وهي تشبهٌ بالرب الذي غفر لصالبيه. هذا الخبرة الروحية تتجلى في كل فعل توبة صادقة ؛ فالتوبة فعل عبور تغييري في الذهن والسلوك هي “قيامة صغرى” وعبور حقيقي من موت الخطيئة إلى حياة النعمة. إن كل مؤمن تائب هو إنسان يتذوق “الفصح” ويعاينه سريا في قلبه كما نقول في قانون الفصح ” إذ قد رأينا قيامة المسيح” فالذي أقام المسيح من القبر هو ذاته الذي يقيم النفس من عثرتها “المانح الواقعين القيام” ، مما يجعل حياة القديسين ترجمةً حية ومستمرة لقيامة يسوع على امتداد الزمن. وفي الكنيسة تصل هذه الخبرة الروحية ذروتها في “سر الإفخارستيا”، إذ تلتئم الجماعة المسيحية لا لتتذكر ميت، بل لتتحد بـ “الحي الحاضر”، ففي القداس الإلهي، يختفي الفاصل الزمني، ويصبح المؤمن شريكاً في مائدة القيامة، متناولاً الجسد القائم والدم المحيي، وهكذا فإن القداسة في حياة الكنيسة وأسرارها ما هي إلا مفعول من مفاعيل القيامة التي وقعت حقا وحقيقة في التاريخ وممتدة في حياة الكنيسة على نحو سري إلهي تقديسي يتخطى الزمان والمكان آخذا إيانا نحو العالم  الاسكاتولوجي الأخروي.

كنيسة القدس وبركات القبر المقدس:

​من نعم الله علينا، نحن أبناء كنيسة القدس، هو أننا ننتمي إلى هذا الكرسي المقدسي الرسولي المقدس الذي وحده يحوي الأماكن المقدسة وفي رأسها القبر الخلاصي، إنه الدليل المادي الوحيد والفريد على قيامة المسيح في المسكونة كلها. إنها لمسؤولية عظيمة وتكليف تاريخي وُضع على عاتق “أم الكنائس”؛ فهذا القبر “القابل الحياة” لا يقدم شهادة صامتة فحسب، بل يفيض في كل سبت عظيم بنورٍ سماوي يخرق نواميس الطبيعة، ليعلن للعالم أن غلبة المسيح على الموت متجددة ومستمرة.

​إن فيض النور المقدس هو تلك النعمة السنوية التي تؤكد أن القبر أمسى نبعا للضياء ومنطلقٌ للحياة التي لا يغلبها موت. إن كنيسة أورشليم، في خدمتها الرسولية المباركة لا تحرس حجارة صماء، بل تعيش أمانة الشهادة لنبع النور وشاهد العيان على أن الموت قد هُزم فعلياً في هذه البقعة من الأرض. إن بقاء هذه الشهادة هو امتداد للبشرى الأولى التي انطلقت من القبر الفارغ في القدس لتبشر المسكونة كلها بالفرح الأعظم.

​في عيد الأعياد وموسم المواسم ندرك أن قيامة المسيح من بين الأموات هي الرجاء الذي لا يخيب، وهي الأساس الذي يمنح الصليب معناه، ويحول الموت من نهاية محتومة إلى عبور مظفَّرمجيد دشنه المسيح القائم ليقود المؤمنين به من جديد إلى طريق التأله والتقديس، لقد مات الموتُ بقيامة المسيح والحجر دُحرج عن القبر معلناً أن المحبة الحقة أقوى من الموت وأن المحبة هي اللغة الوحيدة التي تليق بأبناء القيامة أولئك الذين استناروا بنور القيامة الذي لا يغرب أبدًا.

المسيح قام حقا قام

Reviews

63 %

User Score

2 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *