الشر ليس مصدره الله

للقديس باسيليوس الكبير

مقدمة الكتاب

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين

 أبناءنا الأحباء بعد سقوط الإنسان وابتعاده عن الله صار تائهاً هائماً في هذا العالم، يعيش في الأوجاع والأحزان، وقد فقد تلك الشركة الوطيدة مع خالقه التي كان يحياها في الفردوس. ومع ذلك لم ينطفئ في أعماقه الحنين إلى الله، بل ظل يتوق إلى رؤية خالقه، ويجاهد روحياً ليستعيد ما فقده من سلامه واستقراره الروحي والجسدي. فالإنسان في هذه الحياة يجابه مشكلات وهموماً كثيرة؛ منها ما هو اجتماعي، ومنها روحي، ومنها مادي. ويحاول أن يتأقلم مع ظروف الحياة وتقلباتها، غير أنه كثيراً ما يجد نفسه ينتقل من حزن إلى حزن، ومن هم إلى هم لأنه يجعل ذاته محور حياته، ويتكل على قوته وذاته، فيقوده الكبرياء والغرور بعيداً عن الغاية التي خُلق من أجلها. ولعل أعظم ما يحتاج الإنسان إلى أن يتعلمه هو أن الابتعاد عن الحياة مع الله ليس مجرد مشكلة من مشكلات الحياة، بل هو الهم الأكبر والسبب الأعمق لكل اضطراب في النفس. فالإنسان لا يجد كماله الحقيقي في ذاته ولا في خيرات هذا العالم، إنما في عودته إلى الله مصدر حياته وسلامه وخلاصه. ومن أجل ذلك يتعامل الرب الإله مع الإنسان برحمة وتدبير، ويؤدبه بطرق كثيرة، لا رغبةً في هلاكه، بل لكي يوقظه من غفلته، ويرده عن طرق الضلال، ويقوده من جديد إلى معرفة الله والحياة معه. وهذا ما يوضحه لنا القديس باسيليوس الكبير في هذا الكتاب إذ يكشف لنا، بروح أبوي وتعليم روحي عميق عن طرق الله في تأديب الإنسان وإرشاده، وعن طبيعة التجارب والضيقات التي يسمح بها في حياتنا، وكيف يمكن أن تتحول هذه كلها إذا قبلت بإيمان، إلى طريق يقودنا إلى الله. ومن هنا فإن الغاية الأسمى ليست أن يتخلص الإنسان من مشكلات هذه الحياة فحسب، ولا أن يبلغ راحة أرضية مؤقتة. بل أن يكتشف الطريق الذي يعيده إلى غايته الأولى: الحياة مع الله. وهذه الصفحات التي بين أيدينا ليست مجرد تعليم عن التجارب والضيقات، بل هي دعوة إلى أن ينظر الإنسان إلى حياته في نور الله، وأن يتعلم كيف يحول الألم إلى فرصة للتوبة، والتجربة إلى باب للنمو، والضعف إلى اتكال على الله، حتى يستعيد شيئاً فشيئاً تلك الحياة التي فقدها بالابتعاد عن خالقه. فليكن هذا الكتاب رفيقاً لكل نفس تبحث عن الله وسط تعب العالم، ولكل إنسان يتساءل عن معنى ما يمر به، وكيف يمكن أن يقوده الله حتى من خلال الضيق والتأديب إلى الحياة التي لا تزول. والغاية الأخيرة هي أن يصل الإنسان إلى الحياة مع الله، في المسيح يسوع ربنا، الذي له المجد إلى دهر الداهرين.

الأيكونومس إبراهيم دبّور

يتناول هذا الموضوع مسألة جوهرية في الإيمان، أوضحها لنا القديس باسيليوس الكبير، وهي أن الشر ليس من مصدر إلهي. إذ يفسر لنا ذلك من خلال الآتي:

من خلال كلمات المرنم الإلهي (داود النبي) والموحى بها من الروح القدس، نجد تعليماً عميقاً عن الصبر والرجاء. فأحياناً يصور لنا آلامه وشجاعته في تحمُّل الشدائد، ليقدم مثالاً عملياً عن الصبر والثبات، فيقول: “يارب، ما أكثر مضايقي كثيرون قائمون علي، كثيرون يقولون لنفسي : ليس له خلاص بإلهه” (مزمور 3: 2). وفي أحيان أخرى، يوجهنا إلى معرفة صلاح الله وسرعة عونه لمن يطلبه بإخلاص، مؤكداً أن الرجاء الحقيقي لا يوضع في الأمور الزائلة، بل في الثقة بعناية الله وحضوره الدائم في حياة المؤمن “فاعلموا أن الرب قد ميز تقيه. الرب يسمع عندما أدعوه” (مز 4: 3).

‏فهو إله يرى ولذلك يقول النبي أشعياء (58: 9) “حِينَئِذٍ تَدْعُو فَيُجِيبُ الرَّبُّ. تَسْتَغِيثُ فَيَقُولُ: هَأَنَذَا” وهذا يعني أنه ما أن يبدأ الإنسان في دعائه، أ‏وعندما يرفع المؤمن مجداً لله وصلوات وتضرعات ابتهالية، حتى تكون مسامع الله قد سبقت نهاية الصلاة. ونجده يعلِّمنا الطريقة التضرعية التي تليق بالخطأة لاسترضاء الله كأن يقول: “يَا رَبُّ، لَا تُوَبِّخْنِي بِغَضَبِكَ، وَلَا تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ” (‏مزمور 6: 2) وفي موضع آخر يقول : “إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ النِّسْيَانِ؟ إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي؟” (مز 12: 4) لكي يُظِهر لنا نوعاً من إطالة أَمَد التجربة لكي لا تفتر عزيمتنا أثناء الضيقات ونجبُن، بل أن ننتظر صلاح الله، ونعلم أنه يسلمنا للتجارب والضيقات وفقا لتدبيره الإلهي، واضعاُ مقياساً للتجارب يتناسب مع درجة إيمان كل واحد منا.

‏ولذلك بعد أن يقول “إلى متى يا رب تنساني إلى متى تحجب وجهك عني” ينتقل مباشرة إلى الحديث عن شر الملحدين، لأن هؤلاء عندما تواجههم أية صعوبة صغيرة في الحياة، ولأنهم لا يستطيعون تحمل تقلبات الأمور الأكثر مشقّة يشكُّون في عقولهم على الفور قائلين: “هل يوجد إله يعتني بالأمور ههنا؟ وهل يراقب كل شيء؟ وهل يجازي كل إنسان بالعدل؟

‏ثم عندما يرون أنفسهم يمرون بفترات طويلة من الأوقات الصعبة والضيقات يرسخون في عقولهم تلك العقيدة الخبيثة ويجهزون في قلوبهم بأنه لا يوجد إله “قال الجاهل في قلبه ليس إله” (مز ١٣: ١). وبمجرد أن يضع المرء هذه الفكرة في عقله فإنه يُقدِم بجرأة وبغزارة على ارتكاب كل خطيئة لانه لم يكن هناك رقيب، وإن لم يكن هناك من يجازي كل إنسان حسب أعماله في حياته فما الذي يمنعنا من اضطهاد الفقير وقتل اليتيم والفتك بالأرملة والغريب؟ ومن الذي يمنعنا من التجرؤ على ارتكاب كل عمل دنس؟ والتدنس بالشهوات القذرة والمقيتة وبكل الرغبات البهيمية. لهذا السبب ونتيجة لإنكار وجود الله يضيف المزمور قائلاً: “فَسَدُوا وَرَجِسُوا بِأَفْعَالِهِمْ. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا” (مز 14: 1) إذاً من المستحيل أن ينحرف الإنسان عن الطريق المستقيم ما لم تمرض نفسه بمرض نسيان الله.

‏وهذا إنما يُظهر لنا نوعًا من أنواع التجارب، ولكي يعلِّم أن هؤلاء يفعلون الشر لأنهم قالوا: «ليس إله» وأنهم قد غرقوا في أهواء الهوان. وكما يقول الرسول: «استبدلت نساؤهم الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة، وكذلك الرجال أيضًا، تاركين استعمال الأنثى الطبيعي، اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض» (رومية ١: ٢٦-٢٧). أليس ذلك لأنهم استبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى، والطيور، وذوات الأربع، والزحافات؟ (رومية ١:٢٣). إذن، فالجاهل هو الذي يقول إنه لا يوجد إله، لأنه يفتقر إلى العقل والفهم. بل ولا يقل عنه جهلاً على الإطلاق ذلك الذي يقول أن الله هو مسبب الشرور. وإني أرى أن خطيئتهما متساوية لأن كليهما ينكر الإله الصالح على حد سواء. فالأول يزعم أن الله غير موجود ألبتة، والآخر يجعله غير صالح. لأن كليهما إن كان الله مسببًا للشرور، فمن الواضح أنه ليس صالحًا. وبالتالي فإن كلا الموقفين يمثلان إنكارًا وجحودًا لله وإن اختلفت صور هذا الإنكار.

يقول قائل من أين تأتي الأمراض إذاً؟ ومن أين تأتي الميتات المبكرة؟ ومن أين يأتي الدمار الشامل للمدن؟ ومن أين تأتي الشرور التي تحدث في البحار كالغرق؟ وماذا عن الحروب والأوبئة؟ وكل هذه بالتأكيد شرور، ويضيف: انها جميعها من أعمال الله. فلمن عسانا أن نتهم بهذه الحوادث غير الله؟

‏تعالوا بنا الآن بما أننا قد انخرطنا في هذه المسألة الشهيرة والمثيرة للجدل ولنَعُد بالحديث إلى مبدأ مقبول لدى الجميع، ننطلق منه في تناول هذه المسألة بمزيد من الوضوح، محاولين أن نقدم تفسيراً واضحا وخالياً من اللبس حول هذا الأمر.

يجب إذاً أن نرفع إلى أذهاننا حقيقة واحدة، وهي أننا خليقة الله الصالح وبه نحيا ونتحرك ونُحفَظ. وما دام يدبر جميع أمورنا بعنايته، صغيرَها وكبيرها، فلا يصيبنا شيء إلا بتدبير منه.

كما أن ما نعانيه ليس من جنس الشرور الضارة، ولا من الأفضل لو لم يحدث، وإن بدا لعقولنا كذلك. فالميتات، بلا شك، تأتي بسماح من الله، غير أن الموت في ذاته ليس شراً، إلا إذا قُصِدَ به موت الخاطئ، إذ إن الخاطئ لا يُعتَق به من أتعاب الجسد، بل يتبعه الجزاء (يذهب إلى الجحيم).

‏وبالتالي ليس الله هو مصدر الشرور، بل نحن البشر حين نسيء استخدام حريتنا. والشر يُعرَف شرّاً بانحراف الإرادة عن الخير، لا بكونه شيئاً قائماً بذاته. فإن الذين لا يرتكبون الشر لا يهلكون في أية مصيبة تحل بهم، إذ يسلكون في أعمال البر. أما الذين استُعبِدوا للخطيئة بفعل الشهوات فلا يكون لهم أي عذر في مسؤوليتهم عما يصيبهم. والشر إنما يُدعى شرا بحسب إدراكنا له، ومن جهةٍ أخرى فإن الشر  بطبيعته الخاصة، أي الشر الأخلاقي، يعتمد علينا، ويشمل: الظلم، الفجور، الجبن، الحسد، القتل، الدسائس… فبهذه الأمور ندنس النفس التي خُلقت على صورة الله خالقها، فتُظلِم النفس ويتشوّه جمالها. أما كل ما هو مؤلم وموجع لحواسنا، كالمرض الجسدي والجوع والجروح الجسدية والحرمان من  الاحتياجات الضرورية كالخسائر في التجارة المالية أو فقدان الأقارب، فنظنّه شرّاً دون أن ندرك أن كل واحد من هذه الأمور جلبها علينا السيد الحكيم والصالح لمنفعتنا، فإنه عندما ينزع الله الثروة من شخص ما فإنه يدمر بذلك أدوات شره وظلمه ويرسل الله المرض لمنفعة الإنسان كي تكون أعضاؤه مقيدة بدلا من أن تكون دوافعهم منطلقة بلا رادع نحو الخطيئة.

أما الميتات فتأتي عندما تكتمل حدود الحياة التي حددها منذ البدء لكل إنسان قضاء الله العادل الذي يرى من بعيد ما فيه خير لكل منا.

أمام عن الجوع والجفاف والأمطار الغزيرة فهي ضربات عامة تصيب المدن والأمم لكي تحد من طغيان الشر وتحد من زيادته فكما أن الطبيب يُحسَب محسناً، وإن سبّب ألماً للجسد، لأنه يحارب المرض لا المريض. هكذا فإن الله الصالح يدبر خلاص الكل أحياناً عبر عذابات جزئية، فأنت لا تلوم الطبيب بأي شيء عندما يقطع بعض الأعضاء أو يكوي بعضها الآخر أو يستأصل بعضها تماماً عن الجسد، بل تدفع له أجرة وتسميه منقذاً ومخلِّصاً لأنه يوقف المرض عن ظهوره في جزء صغير قبل أن ينتشر المرض في الجسد كله، ولكن عندما ترى مدينة قد انهارت بسبب زلزال على سكانها او سفينة قد تحطمت في البحر بجميع ركابها، فإنك لا تتردد في التجديف ضد الطبيب والمخلِّص الحقيقي.

وكان ينبغي لنا أن نفهم أنه متى أصيب الناس بأمراض يسيرة قابلة للشفاء نالوا منفعة العناية الطبية. أما إذا تبين أن المرض قد استعصى شفاؤه صار من الضروري استئصال العضو المريض لئلا يمتد الداء إلى الأعضاء السليمة باستمرار انتشاره، فكما أن الطبيب ليس هو علة الجراحة أو الكي بل المرض نفسه، هكذا ليس الله علّة اندثار المدن وخرابها، بل الخطايا التي بلغت من العِظَم ما يفوق الوصف والإدراك. ولذلك لا ينبغي أن توجِّه الملامة إلى الله، بل إلى الشر الذي استوجب تلك التأديبات.

ولكن قد يقول قائل: إن كان الله في الحقيقة غير مسؤول عن الشرور، فكيف يقول في إشعياء (45 : 7)” “مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ. أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هَذِهِ.” (إش 45: 7). وفي سفر ميخا “لأَنَّ شَرًّا قَدْ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ إِلَى بَابِ أُورُشَلِيمَ.” (مي 1: 12). وفي سفر عاموص “.. هَلْ تَحْدُثُ بَلِيَّةٌ فِي مَدِينَةٍ وَالرَّبُّ لَمْ يَصْنَعْهَا؟” (عا 3: 6). وفي نشيد موسى تثنية الاشتراع: “اُنْظُرُوا الآنَ! أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلَهٌ مَعِي. أَنَا أُمِيتُ وَأُحْيِي. سَحَقْتُ، وَإِنِّي أَشْفِي، وَلَيْسَ مِنْ يَدِي مُخَلِّصٌ.” (تث 32: 39)؟

جَمِيعَ هذه النصوص لمن يفهم المعنى الحقيقي للكتاب المقدس لا تُفهم على أن الله مصدر الشر، لأنه هو نفسه الذي قال: بقوله: “مصور النور وخالق الظلمة ” هنا يقدم الله ذاته صانعاً للخليقة، لا صانعاً للشر. ولكيلا تظن أن للنور علة وللظلمة علة أخرى أعلن نفسه صانعًا لجميع الأمور التي تبدو متضادة في الخليقة، حتى لا نبحث عن صانع للنار وآخر للسماء ولا صانع آخر للهواء وآخر للأرض، مع أن هذه العناصر تبدو بحسب خواصها الطبيعية متضادة فيما بينها. وهذا هو بعينه ما وقع فيه كثيرون فانحرفوا إلى القول بتعدد الآلهة.

‏فالله يحل السلام حقًا إذ يهدئ العقل بالتعليم الصالح ويسكن الأهواء المتمردة على النفس ويخلق الشرور أي له القدرة أن يحولها بتدبيره إلى ما هو أصلح وسيلة للخير. ولهذا يقول: “قلبًا نقيًا اخلق في يا الله وروحًا مستقيمًا جدد في أحشائي” (مزمور ٥٠:١٢). وليس المقصود أنه يخلق قلبًا من العدم، بل أن يجدد القلب الذي عتق وتداعى بسبب الخطيئة. وعلى هذا المعنى يقول الرسول بولس: “ليخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا” (أفسس 2: 15).

وهنا يتضح أن كلمة ‘الخلق’ بعد الصنع تُعلِّمنا أنها تحمل معنى التحسين والإصلاح. لأن اسم الخلق يحمل معاني متعددة. ولذلك فإن قوله يصنع السلام ويخلق الشر يعني أنه يصنع السلام حقاً ويخلق الشرور، أي يحولها إلى ما هو أصلح بتدبيره. وحتى إن فُهِم السلام بمعنى الخلاص والتحرر من الحروب واعتُبرت الشرور هي الأحوال التي تعقب الحروب؛ كالحملات العسكرية خارج الوطن، ومشقات القتال، والسهر، والاضطراب، والعرق، والجروح، والمذابح، وسقوط المدن، والأسر، والخطف، والمشاهد المؤلمة للقتلى عموماً، فإننا نقول إن هذه جميعها تحدث بحكم الله العادل الذي يجلب بالحروب العقوبات على الذين يستحقون التأديب.

‏أم أنك تفضل أن لا تُحرق سدوم بعد فواحشها الشنيعة؟ أو لا تدمر أوروشليم ولا يُخرب الهيكل بعد ذلك العمل المروِّع والمجنون الذي ارتكبه اليهود ضد الرب؟ ‏وكيف كان سينظر إلى هذه الأمور بطريقة صحيحة لولا أنها تمت بأيدي الرومان؟ وهذه الأمور وقعت على اليهود الذين أسلموا الرب للصلب بأيديهم. لذلك كان من العدل أن تفرض شرور الحرب على المستحقين لها.

‏أما قوله: “أنا أميت وأنا أحيي” (تثنية٣٢: ٣٩)، فيمكن قبوله على المعنى الظاهري، لأن الخوف يبني البسطاء. وكذلك قوله: “أنا أجرح وأنا أشفي”، فالجرح يولِّد الخوف بينما الشفاء يحث على المحبة. ويمكن أيضًا أن نفهم هذا القول بمعنى أعمق، في كل ما قيل: “سأميت بالخطيئة وأحيي بالبر”، لأنه كما يقول الرسول بولس: “وإن كان إنسانُنا الخارجي يفنى، فالداخلي يتجدد يومًا فيومًا” (٢ كورنثوس٤:١٦).

إذاً الله لا يميت شخصًا ويُحيي آخر، بل الشخص نفسه يحييه بما يقتله، ويشفيه بما يجرحه به. ولذلك قيل في الأمثال: “إنك تضربه بالعصا فتنقذ نفسه من الموت” (أمثال ٢٣: ١٤). إذاً، فهو يجرح الجسد لكي تُشفى النفس، ويميت الخطيئة لكي يحيا البر. وكذلك قوله في تثنية الاشتراع: “نزل شر من عند الرب إلى باب أورشليم” فالمعنى واضح، إذ يشير إلى شرور الحرب وضجيج المركبات والفرسان. وعندما تسمع: “هل تحدث مصيبة في مدينة والرب لم يصنعها؟” (عاموس ٣ :٦)، فافهم أن المقصود بالمصيبة أو الشر هو الأذى والشدة اللذان يحلان بالخطأة لإصلاح خطاياهم وزلاتهم، لأنه يقول: “قد أذللتك وأوجعتك لكي أحسن إليك” (تثنية٨ :٣). وذلك لكي يوقف الشر قبل أن يستفحل، كما يُكبَح تيار النهر بسد.

 ‏ولهذا فإن الأوبئة التي تحدث للمدن والأمم وجفاف الهواء وعقم الأرض والظروف الأكثر قوة في حياة كل فرد إنما تحد من نمو الشر، وبذلك فإن كل هذه المصائب التي تأتي من الله تزيل العلّة المؤدية إلى نشوء الشرور الحقيقية، إذ ان الآلام الجسدية والمزعجة قد وُضِعت للحث على الامتناع عن الخطيئة، إذا فإن الله يقضي على الشر وبالتالي فإن الشر لا ينبع من عند الله. كما هو الحال مع الطبيب، فهو لا يُدخِل المرض لجسم الإنسان بل يخرجه منه.

 ‏إذاً فإن دمار المدن والزلازل والفيضانات وهلاك الجيوش وغرق السفن، بل وكل الكوارث الجماعية العظمى إنما تقع لتأديب الباقين على قيد الحياة، إذ إن الله بضربات عامة يؤدب  الشر المستفحل في المجتمع لغايات ضبطه.فالشر الرئيسي إذا هو الخطيئة وهي تعتمد على إرادتنا وتستحق أن يطلق عليها اسم ” شر” فبِيَدِنا أن نبتعد عن الشر أو أن نكون اشراراً، اما سائر الشرور الأخرى فالبعض منها يكون من أجل الجهاد الروحي وإظهار الشجاعة والفضيلة كما حدث مع أيوب الصديق حين فقد أولاده واختفت كل ثروته في لحظة واحدة، وكما أصيب بمرض البرص.

 والبعض الآخر من الشرور يأتي لعلاج وترميم خطايا قد ارتُكِبَت، مثلما حدث مع داود حين لُطِّخَت كرامة بيته الملوكي بالعار جزاءً لرغبته غير المشروعة. وكذلك نتعلم أن الحكم العادل لله يجلب نوعاً آخر من الأمور المخيفة لكي يعقِّل ويُحكِّم الذين يميلون بسهولة نحو الخطيئة. كما حدث مع داثان وأبيرام اللذين انشقت الأرض وفتحت فاها وابتلعتهما وبيوتهما، وكل من كان لقورح مع كل الأموال” (عدد ١٦: ٣١)

وهنا بالطبع ليس الأمر أن هؤلاء صاروا أفضل بسبب هذا العقاب” إذ كيف يمكن لمن هبطوا إلى الجحيم والهاوية أن يصيروا أفضل؟ بل إنهم بمثالهم جعلوا الآخرين أكثر حكمة وتعقلاً” وهكذا أيضا “فرعون مع كل جيشه حين غرقوا” (خروج ١٤: ٢٨). وكذلك السكان الأوائل الذين سكنوا فلسطين.

لذلك حتى قال بولس الرسول في موضع ما “آنية غضب الله مهيأة للهلاك”(رومية 22: 9) فلا ينبغي أن نظن أن الله صنع إنساناً شريراً، لأن الشر في هذه الحالة يُنسَب إلى الصانع نفسه، بل عندما نسمع (آنية) ينبغي ان نفهم أن كل واحد منا قد صُنِعَ لغرض صالح ومفيد، وكما أنه في البيت الكبير توجد “أواني من ذهب وأخرى من فضة وأخرى من خزف وأخرى من خشب”(2 تيموثاوس 20: 2) كذلك إرادة كل إنسان هي التي تجعل الإنسان شبيهاً بإحداها. فالإناء الذهبي هو الإنسان النقي الطبع والخالي من الغش. والإناء الفضي هو من هو دونه في الفضيلة. والإناء الخزفي هو الذي ينشغل بالأرضيات، وهو قابل للكسر في كل حين، أما الإناء الخشبي فهو الذي يتنجس بسهولة بالخطيئة، فيصير مادة للنار الأبدية. وكذلك إناء الغضب هو الإنسان الذي أفسح في داخله للشر، حتى صارت رائحته كريهة من فرط الفساد، ولم يعد صالحاً للاستعمال، بل صار مستحقاً للهلاك. ولهذا السبب، ولما كان هلاكه قد بلغ غايته، فإن المدبر الحكيم والمعتني بالنفوس أبقاه زمناً لكي يصير بعقابه نفعاً للآخرين، لأنه هو نفسه قد صار غير قابل للعلاج بسبب فرط شرّه، وهنا يتحدث القديس عن فرعون، الذي أطال الله أناته عليه وأخَّر عقابه، فازداد في شرِّه حتى ظهرت فيه عدالة القضاء الإلهي عندما بلغ شرَّه حدّه الأقصى.

‏وهكذا ومن خلال ضربات أصغر كان يزيد المصائب تدريجياً، ومع كل هذا لم يكن فكره المتمرد يلين بل كان يتجرأ ويزدري امهال الله وطول أناته، وقد اعتاد على الضربات التي كانت تحل به، ومع كل هذا لم يسلمه إلى الموت بل اغرقه أخيراً عندما تجرأ، في كبرياء قلبه، على ملاحقة الأبرار، وظن أنه يستطيع أن يعبر البحر الأحمر كما عبره شعب الله: “تَبِعَهُمُ الْمِصْرِيُّونَ وَدَخَلُوا وَرَاءَهُمْ. جَمِيعُ خَيْلِ فِرْعَوْنَ وَمَرْكَبَاتِهِ وَفُرْسَانِهِ إِلَى وَسَطِ الْبَحْرِ. وَكَانَ فِي هَزِيعِ الصُّبْحِ أَنَّ الرَّبَّ أَشْرَفَ عَلَى عَسْكَرِ الْمُصْرِيِّينَ وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ فِي عَمُودِ النَّارِ وَالسَّحَابِ، وَأَزْعَجَ عَسْكَرَ الْمُصْرِيِّينَ. وَخَلَعَ بَكَرَ مَرْكَبَاتِهِمْ حَتَّى سَاقُوهُ مِثْقَلاً. فَقَالَ الْمِصْرِيُّونَ: نَهْرُبُ مِنْ إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّ هذَا الرَّبَّ يُقَاتِلُ لَهُمْ. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: مُدَّ يَدَكَ عَلَى الْبَحْرِ لِيَرْجِعَ الْمَاءُ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ وَمَرْكَبَاتِهِمْ وَمَا لَهُمْ وَفِيهِمْ. فَمَدَّ مُوسَى يَدَهُ عَلَى الْبَحْرِ، فَرَجَعَ الْبَحْرُ عِنْدَ إِقْبَالِ الصُّبْحِ إِلَى حَالِهِ الدَّائِمَةِ، وَالْمِصْرِيُّونَ هَارِبُونَ لِقَائِهِمْ. فَدَفَعَ الرَّبُّ الْمِصْرِيِّينَ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ. فَرَجَعَ الْمَاءُ وَغَطَّى مَرْكَبَاتِ وَفُرْسَانِهِمْ جَمِيعَ جَيْشِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ دَخَلُوا مَعْهُ فِي الْبَحْرِ. لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ وَلَا وَاحِدٌ.” (خروج 14: 23 – 28).

‏فالآن وبعد أن عرفت أن هذه هي أنواع الشر التي تأتي من الله وغدوت تميز بينها في داخلك، وبعد أن عرفت جيدا أن هذه هي أنواع الشر الحقيقي، ألا وهو الخطيئة التي نهايتها الهلاك، ومن جهة أخرى ما يبدو شراً بسبب ما يرافقه من آلام، لكنه يحمل في طياته قوة الصلاح، كالشدائد التي يفرضها لمنع الوقوع في الخطيئة، والتي تكون ثمارها خلاص النفوس خلاصاً أبدياً، فعليك أن تكف عن الاستياء من تدابير الله.

‏وبشكل عام لا تعتبر أن الله سبباً لوجود الشر، ولا تتخيل أن للشر جوهراً أو كياناً خاصاً به، لأن الشر ليس موجوداً. تماماً ككائن حي ما، ولا يمكننا أن نعتبر جوهره ذا وجود حقيقي، لأن الشر هو انتفاء الخير. العين خُلقت للرؤية بينما العمى يأتي بسبب فقدان العينين، وبناء على ذلك لو لم تكن العين ذات طبيعة قابلة للفساد لما كان للعمى وجود، وهكذا أيضا ليس للشر وجود مستقل خاص به، بل يأتي لاحقاً كنتيجة لإعاقة أو تشوّه في النفس.

وبالتأكيد ليس للشر وجود ذاتي، وليس هو أزلياً ولا بلا بداية، كما يقول بعضٌ من غير الأتقياء الذين يساوون  في الكرامة  بين الطبيعة الشريرة والطبيعة الصالحة. فإن كانت الطبيعة الشريرة والطبيعة الصالحة أزليتين، أو كانت إحداهما كذلك، لأصبحت تلك الطبيعة فوق عالم الصيرورة. ولذلك فالشر ليس مولوداً من الله، لأنه إن كانت جميع الأشياء تأتي من الله، فكيف يكون ممكناً أن يأتي الشر من الصالح؟ ‏إذ لا يمكن للقبيح أن يصدر عن الصالح، ولا للرذيلة أن تنبع من الفضيلة. اقرأ سرد خلق العالم، وسوف تجد أن كل ما صنع الله كان “حسناً جداً” (تكوين ١: ٣١).  وبالتالي لم يُخلق الشر بالتزامن مع الخيرات. ولا المخلوقات النورانية، حين أوجدها الخالق، قد خُلِقت ممتزجة بالشر. لانه لو كانت الأجسام المادية قد اشتمل تكوينها على الشر منذ الخلق، فكيف يمكن لهذه الخليقة أن تتقدس إذا كانت متشاركة  وجودياً مع الشر؟

ولكن، مع ذلك، فإن الشر موجود، وأفعاله تُظهر أنّه منتشر جداً في العالم أجمع. فمن أين له الوجود إذن، إن لم يكن أزلياً، ولا هو مما خلقه الله؟ وبالمقابل، نسأل الذين يطرحون مثل هذه الأسئلة: من أين تأتي الأمراض؟ ومن أين تأتي الإعاقات الجسدية؟ فإن المرض ليس أزلياً، وليس من خلق الله، بل إن الكائنات الحية خُلقت، بحسب طبيعتها، على التكوين المناسب لها، وأُدخلت إلى الحياة كاملةً وسليمةَ الأعضاء، لكنها مرضت بعد أن انحرفت عن حالتها الطبيعية، ففقدت صحتها، إما بسبب نظام غذائي سيئ، أو بسبب آخر، أو بسبب مرض. إذن، فالله خلق الجسد، لا المرض، والله خلق النفس، ولم يخلق الخطيئة. لقد تعذّبت النفس بعد أن انحرفت عن حالتها الطبيعية. لكن ما الذي كان يمثل لها الخير الأسمى؟ انه مكان وجودها بجوار الله واتحادها به بالمحبة. فلما سقطت عن ذلك، تعذبت بسبب أمراض متنوعة ومتعددة الأشكال.

لكن، لماذا تكون النفس قابلةً للشر عمومًا؟ إن ذلك بسبب إرادتها الحرة التي تتناسب مع طبيعتها العاقلة. فالنفس متحررة من كل ضرورة قسرية، وقد تلقّت من الخالق الحياة الحرّة، لأنها خلقت على صورة الله ومثاله. فهي تدرك الخير، وتعرف جيدًا كيفية التمتع به، ولديها السلطان والقوة والمقدرة على الحفاظ على حياتها الطبيعية، ما دامت ثابتة في الرؤية الإلهية الصالحة، وفي التمتع بالروحيات.

‏‏وكان لديها أيضاً السلطان على رفض الخير. وهذا يحدث لنا عندما تختلط النفس بالجسد بسبب اللذات القبيحة، بعد أن تكون قد شبعت أولاً من المسرات المغبوطة، ولكنها بعد ذلك تنحدر منفصلةً عن العلويات.

 كان آدم يوجد في العلى، لا مكانياً وإنما بحالة التعقُّل. وحينئذٍ، بمجرد أن بُثَّت فيه الحياة، ونظر إلى السماء، امتلأ فرحاً بما رآه، وكان يحب خالقه والمُحسن إليه، الذي وهبه التمتع بالحياة الأبدية. وبالتالي، أراحه بمسرات الفردوس، وأعطاه سلطاناً شبيهاً بسلطان الملائكة، وجعله مساوياً لهم في العيش مع رؤساء الملائكة، وسامعاً لصوت الله.

بينما كان يحظى بحماية الله، وبكل هذه الخيرات، ويتنعّم ببركاته، سرعان ما تجرّأ وتكبّر من فرط الشبع، بعد أن شبع من كل شيء، وفضّل ما كان ممتعاً للعينين الجسديتين على الجمال الروحاني، واعتبر شبع البطن أسمى من اللذات الروحية. وهكذا فوراً وجد نفسه خارج الفردوس وخارج تلك الحياة المغبوطة. ولذلك لم يصبح شريراً بالضرورة، ولكن بسبب الطيش. ولذلك أخطأ بسبب الاقتناء السيّء ومات بسبب الخطيئة، لأن “أجرة الخطيئة هي الموت” (رومية 6: 23).

‏بمعنى آخر، بقدر ما يبتعد الإنسان عن الحياة، بقدر ما يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، والموت هو انتفاء الحياة. وهكذا استدعى آدم الموت بابتعاده عن الله، بحسب قول الكتاب المقدس: “لأن هوذا البعيدين عنك يبيدون” (مزمور73 :27).

وهكذا ليس الله هو الذي خلق الموت، بل نحن الذين استدعيناه على أنفسنا بإرادتنا السيئة. ولكن الله لم يمنع انحلالنا بالموت للأسباب المذكورة سابقاً، لكيلا يبقى المرض فينا مؤبداً. ومثلما لا يرضى أحد أن يضع الفخار المشقق في الفرن ليُشوى، إلا بعد أن يُصلح عيبه بإعادة تصنيعه.

“ولكن، لماذا لا نملك بالطبيعة عدم الخطيئة، حتى ولو أردنا الخطيئة لا نخطئ؟ الجواب: لأنك لا تعتبر العبيد أصدقاء عندما تبقيهم مقيدين، بل عندما تراهم يؤدون الواجبات نحوك بطوع إرادتهم. وكذلك بالنسبة إلى الله، فإن الله لا يحب الإكراه، بل يحب ما يتحقق من خلال الفضيلة، والفضيلة لا تتحقق إلا بالإرادة الحرة لا بالإكراه. والإرادة الحرة تعتمد على ما هو في أيدينا أي على اختيارنا الحر.

الذي يلوم الخالق، إذ لم يجعلنا غير قابلين للخطيئة بالطبيعة، لا يفضل شيئًا سوى الطبيعة غير العاقلة على الطبيعة العاقلة، التي لا تتحرك ولا تملك دافعًا نابعًا من الاختيار الحر والعمل.

إن هذه الأمور، وإن كنا قد قلناها على سبيل الاستطراد، فإنما قلناها بدافع الضرورة، لكيلا نقع في أفكار تحرمنا من التعامل مع الله. فلنتوقف، إذن، عن تصحيح عمل الله الحكيم، ولنتوقف عن طلب ما هو أفضل مما خلقه هو. لأنه، وإن غابت عنا أسباب الخطط الجزئية، فليكن متجذرًا في نفوسنا، على الأقل، ما هو مؤكد، وهو أنه لا يصدر أي شيء عن الصالح إلا الصلاح.

كان جبرائيل ملاكًا، وكان يقف دائمًا بجانب الله. وكان الشيطان، هو أيضًا، ملاكًا، لكنه سقط كليًا عن رتبته الخاصة. لقد حفظت إرادته الحرة جبرائيل في الأعالي، بينما صرعت إرادة الشيطان الحرة والمنفردة صاحبها وأسقطته. وبالتأكيد كان بمقدوره أن يرتد فلا يسقط. لقد حفظ هذا هو الشر، أي التغرّب عن الله. ولذلك، فإن انحرافًا صغيرًا للعين يجعلنا إما مع الشمس أو مع ظل أجسادنا. وفي هذه الحالة، يكون النور مستعدًا لمن يرفع نظره إلى أعلى، أما الذي يلتفت نحو الظلال، فالظلام يكون حتميًا له. وهكذا صار الشيطان شريرًا، لا بطبيعته، ولا لأنه ضد الصلاح، بل بسبب إرادته امتلك الخبث.

من أين، إذن، يوجد فيه هذا الحرب ضدنا؟ لأنه، لما صار وعاءً لكل رذيلة، قبل أيضًا مرض الحَسَد. وبالتالي حَسدَنا على الكرامة التي نحن فيها. ولم يستطع أن يحتمل رؤية حياتنا التي كانت بلا حزن في الفردوس. وبعدما، بخبثٍ، خدع الإنسان باستخدام الدسائس، واستغل الشوق الذي كان لديه إلى أن يكون شبيهًا بالله، استخدم هذا الشوق ليخدع به الإنسان، فأشار له إلى الشجرة، ووعده أنه، بالأكل منها، سيصير شبيهًا بالله، قائلًا: “بل الله عالم أنه يوم تأكل ان منه تنفتح أعين كما، وتكونان كالله عارفين الخير والشر” (تكوين ٣: ٥).

وإن الشيطان لم يُخلَق ليكون عدوّاً لنا، بل من داء الحسد أصبح عدوّنا. إذ رأى نفسه قد سقط من رتبة الملائكة، لم يستطع أن يرى المخلوق الأرضي يرتقي بالتقدم إلى المقام الملائكي. وبما أنه صار عدونا، فإن الله قد غرس فينا العداوة ضده، بتلك الكلمات التي تكلم بها إلى الحيّة، أي إلى الشيطان، حين وجّه إليه هذا التهديد: “وأضع عداوةً بينكِ وبين المرأة، وبين نسلكِ ونسلها. هو يسحق رأسكِ، وأنت تسحقين عقبه” (تكوين ٣ :١٥).

أن المصالحات مع الشر مؤذية. لأن هذا هو قانون الصداقة: “الصديقان يصيران متشابهين في كل شيء”. ولذلك، فإن القول التالي صحيح: لا تضلوا، فإن المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الحميدة” (١ كورنثوس١٥: ٣٣).

لأنه كما أن الأماكن الملوّثة بالأمراض يكون الهواء المستنشَق فيها ناقلاً مرضًا خفيًا إلى الذين يعيشون هناك، هكذا أيضًا فإن التوجه نحو الشرور يُسقط شرورًا عظيمة في النفوس حتى وإن لم يكن الضرر ظاهرًا في الحال. ولهذا السبب، فإن العداوة للحية لا يصلح فيها مطلقًا. فإن كانت وسائل الشر مبغوضة، فكم بالحري فاعل الشر، أو الشرير نفسه؟

ولكن، لماذا جُعلت الشجرة موجودة في الفردوس، التي من خلالها كان الشيطان سيبدأ مشروعه ضدنا؟ لأنه لو لم يكن لديه طُعم الخداع فكيف كان سيقودنا عن طريق العصيان إلى الموت؟ والجواب هو أنه كان ينبغي أن تكون هناك وصية تُختبر بها طاعتنا. ولهذا السبب كانت هناك شجرة مثمرة ذات ثمار جميلة لكي نستحق حقًا إكليل الصبر والانتصار بعد أن نكون قد تجنبنا اللذة في النظر لشجرة الحياة وأظهرنا ضبط النفس والعفة. ولكن إذ بعد أن شبع من الأكل وتعدّى على الوصية، نال إدراك العري كما هو مكتوب: “فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان” (تكوين٣ :٧).

كان ينبغي ألا يعرف الإنسان العري، لكيلا ينشغل ذهنُه بسد هذا النقص، وذلك بابتكار ألبسة لنفسه تستُر عُريَه، أو بالاهتمام بالجسد، فيبتعد عن معاينة الله. ولكن، لماذا لم تُصنع له ألبسة في الحال؟ لأن الألبسة لم تكن طبيعية ولا اصطناعية. فالأشياء الطبيعية هي السمات التي تتميز بها الحيوانات غير العاقلة، مثل الأجنحة والشعر والجلود السميكة التي تستطيع أن تتحمل سوء الطقس والحر والبرد، وفي هذه لا يختلف حيوان عن الآخر، لأن الطبيعة فيها متساوية. أما الإنسان، فكان ينبغي بحسب محبته لله أن تكون مكافآت الخيرات متفاوتة. وإن المشاغل المهنية تسبب همومًا، وكان على الإنسان أن يتجنبها لأنها تؤذيه بإبعاد فكره عن الله. ولذلك، عندما يدعو الرب الإنسان من جديد إلى حياة الفردوس، يزيل القلق من النفوس بقوله: “لذلك أقول لكم لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون” (متى 6: 25).

إذن، لم يكن بالضرورة أن يمتلك الإنسان أغطية لا طبيعية ولا صناعية، بل كانت له ألبسة من نوع آخر، وهي النعم والفضائل التي كانت تُظهر بهاء الإنسان، وتجعله يتنعم ويشبع من نعمة الله التي هي لباس الملائكة. وهذه تتفوق في تنوعها وبهائها على الأزهار، وتتألق كالنجوم. ولذلك، لم تُعط الألبسة للإنسان في ذلك الوقت، لأنها كانت ستكون مكافأة لفضائله، وكانت مدخرة له، إلا أنه لم يستطع أن يبلغها بسبب تأثير الشيطان.

إذن، بسبب سقوطنا القديم الذي صار بتأثير الشيطان المؤذي، صار الشيطان خصماً لنا. وقد دبّر الرب الإله الصراع ضده لكي نجاهد من جديد بالطاعة ونتكلل بالنصر على خصمنا. يا ليتَه لم يصِر شيطانًا بل بقي في الرتبة التي وضعه فيها قائد الجند منذ البداية. ولكنه، إذ صار مرتدًا، أصبح عدوًا لله وللبشر الذين خُلقوا على صورة الله. ولهذا السبب يبغض البشر، ويحارب الله، ويبغضنا لأننا خليقة السيد، ولأننا على مثال الله. لذلك استخدم الله الكلي الحكمة خبث الشيطان ليدبر لنا الخلاص، كما يستخدم الطبيب سم الأفعى ليصنع منه الدواء الشافي.

فمن كان الشيطان، وما هي رتبته؟ وما هو مقامه؟ ومن أين أخذ اسم الشيطان؟ يُسمّى الشيطان لأنه يجابه الصلاح، وهذا هو معنى الكلمة العبرية، كما نقرأ في سفر الملوك الثالث: ‘وأقام الرب خصمًا لسليمان’ (سفر الملوك الثالث 11 : 14)، وتعني المقاوم (الشيطان) أي أقام له (خصمًا) أو (مقاومًا).

ويدعى أيضًا إبليس أي المشتكي، لأنه هو نفسه يصير شريكًا في خطيئتنا، ومشتكيًا علينا، إذ يفرح بهلاكنا ويصادق على أفعالنا. أما طبيعته فهي غير جسدية أي روحية، وفقاً لقول بولس الرسول: فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويات (أفسس٦: ١٢ ).

وأما عن مكانه فهو من الرؤساء”، بحسب قول بولس الرسول: “لأن مصارعتنا ليست مع لحم ودم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويات.” (أفسس ٦: ١٢) “وأما مكان سلطانه فهو الغلاف الجوي”، كما يقول لنا الرسول بولس: “التي سلكتم فيها قبلاً حسب دهر هذا العالم، حسب رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية.” (أفسس٢:٢) “ولهذا السبب يسمى رئيس هذا العالم، لأن سيادته حول الأرض، بحسب قول الرب: «الآن دينونة هذا العالم. الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجًا.» (يوحنا١٢:٣١)، وأيضًا: «لا أتكلم أيضًا معكم كثيرًا، لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيّ شيء.» (يوحنا١٤: ٣٠). “وبما أننا تكلمنا عن جيش الشيطان أنهم أرواح شريرة في السماوات” (أفسس٦: ١٢)، فيجب أن نعلم جيدًا أن الكتاب المقدس يطلق لفظ السماء على الهواء أيضًا، كما في قول الرب: “انظروا إلى طيور السماء، إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها» (متى ٦:٢٦). وكذلك يقول المرتل: “يصعدون إلى السماوات، ويهبطون إلى الأعماق، ذابت أنفسهم بالشقاء” (مزمور١٠٦:٢٦)، أي إنهم يرتفعون كثيرًا في الهواء. ولهذا السبب قال الرب: “رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء” (لوقا١٠: ١٨)، أي إنه سقط من سلطانه. وبعد سقوطه صار يُداس من الذين وضعوا رجاءهم في المسيح، لأنه قال لتلاميذه: “ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو، ولا يضركم شيء” (لوقا١٠:١٩). “فبعد أن طُردت السيادة الشريرة وأُعلن الخلاص الذي صالح الأرضيين مع السماويين” كما يقول الرسول: “وأن يصالح به الكل لنفسه، عاملًا الصلح بدم صليبه بواسطته، سواء كان ما على الأرض أم ما في السماوات” (كولوسي ١: ٢٠)، يُكرَز لنا بملكوت السماوات، لأن يوحنا يقول: “توبوا، لأنه قد اقترب ملكوت السماوات” (متى٣: ٢)، والرب أيضًا كان يكرز في كل موضع ببشارة الملكوت. وحتى قبل ذلك كانت الملائكة تسبح قائلة: “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة” (لوقا٢: ١٤).

 والمبتهجون بدخول ربّنا إلى أورشليم كانوا يصرخون ويهتفون: “مبارك الملك الآتي باسم الرب. سلامٌ في السماء ومجدٌ في الأعالي.” (لوقا١٩: ٣٨).

وبوجه عام لا يحصى عدد أناشيد النصرة التي تعلن السحق النهائي للعدو. فلم يبقَ لنا أي مجال لمصارعة أخرى أو جهاد في السماوات، ولا يستطيع أحد أن يحرمنا من الحياة المغبوطة والموعودة، بل صرنا منذ الآن نرث ميراثاً بلا حزن ونتمتع باستمرار بشجرة الحياة التي مُنعنا قديماً من الأكل منها بسبب مكيدة الشيطان. لأن الله جعل السيف الملتهب ليحرس الطريق إلى شجرة الحياة (تكوين٣:٢٤)”فطرد الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة”، والتي نرجع إليها في النهاية بدون عائق، لندخل في التمتع بالخيرات في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد إلى دهر الداهرين، آمين.

الأيكونومس الدكتور إبراهيم دبور

Reviews

0 %

User Score

0 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *