رِسالَةٌ مِنَ الْمَحْكَمَةِ الْكَنَسِيَّةِ (7)

السَّنَةُ القَضَائِيَّةُ ٢٠٢٦–٢٠٢٧

إخوتي الأحباء القضاة والمحامين الكِرام،

ببركة أبينا صاحب السيادة المطران خريستوفوروس، مطران أردننا المبارك ورئيس محكمة الاستئناف، وبمحبة كبيرة أتوجه إليكم مع بداية هذا العام القضائي الجديد، راجيًا أن يكون عامًا مباركًا بالسلام والعدل، وأن يرافقنا الرب في مسؤوليتنا ورسالتنا، فيكون أمامنا في الحكم، وفوقنا في الضمير، وبيننا في المحبة لإخوتنا الذين ائتُمِنّا على قضاياهم وحقوقهم وكرامتهم.

وإننا إذ نفتتح عامًا قضائيًا جديدًا، أرجو ألَّا يكون افتتاحه مجرد انتقال في سجل الأيام والقضايا، بل مناسبة لمراجعة الذات وتجديد معنى الرسالة التي نحملها. فالقضاء الكنسي ليس مكانًا تتقابل فيه الأوراق والدفوع وحدها، ولا ساحة يتنافس فيها الخصوم على الغلبة، بل موضع تلتقي فيه الحقيقة بالضمير، والقانون بالرحمة، والعدالة بمسؤولية الإنسان أمام الله. ومن هنا فإن كل قضية تدخل أبواب محكمتنا تحمل وراء أوراقها إنسانًا متألمًا، وبيتًا مضطربًا، وعائلة تخشى على وحدتها، وأبناء قد لا يكون لهم صوت في الخصومة، ولكنهم كثيرًا ما يكونون أول من يحمل آثارها.

إخوتي المحامين،

إن رسالة المحاماة أمام المحكمة الكنسية لا تستمد كرامتها من المعرفة القانونية وحدها، على أهميتها وضرورتها، بل من الأمانة التي يحملها المحامي أمام الله والضمير. فأنتم حين تحملون وكالة إنسان أمام المحكمة، لا تحملون ملفًا فحسب، بل تدخلون إلى مساحة دقيقة من حياته وأسراره وألمه وكرامته وعائلته؛ ولذلك تصبح الكلمة أمانة، والمشورة أمانة، والدفع أمانة، والصمت حين ينبغي الصمت أمانة، كما يصبح السعي إلى المصالحة، متى كان ممكنًا وعادلًا، جزءًا أصيلًا من شرف الرسالة.

ولهذا أُذكّر نفسي وإياكم بأننا جميعًا، قضاةً ومحامين، سنقف يومًا أمام منبر الإله الديّان، حيث لا تنفع براعة الحجة إذا فارقتها الحقيقة، ولا قوة المرافعة إذا أضرّت بإنسان، ولا انتصار في قضية إذا كان ثمنه خراب بيت كان يمكن إنقاذه، أو جرح طفل كان يمكن تجنيبه ألم الخصومة. وهناك لن يكون السؤال فقط: ماذا كسبنا من قضايا؟ بل ماذا صنعنا بالإنسان الذي وضع ثقته فينا؟ وهل كنا عونًا له على الحق والسلام، أم زدنا خوفه خوفًا، وغضبه غضبًا، وخصومته خصومة؟

ومن هنا، أرجوكم بمحبة أن تزرعوا مخافة الله في نفوس إخوتنا الذين يلجأون إليكم ويوكلونكم في قضاياهم؛ لا مخافة الرعب، بل تلك المخافة المقدسة التي تجعل الإنسان يتوقف قبل الظلم، ويراجع نفسه قبل الاتهام، ويخشى أن يبني حقه على جرح الآخر أو تشويه صورته. فالمحامي الحقيقي لا يستثمر في غضب موكله، ولا يجعل من ألمه وقودًا لاستمرار النزاع، بل يساعده على أن يرى قضيته بعين الحق والعقل والضمير. آملاً ألَّا تجعلوا من قضايا العائلة ساحات صراع تبحث عن غالب ومغلوب؛ لأننا في قضايا الأسرة، إذا خسر السلام، فقد يخسر الجميع ولو ربح أحد الأطراف حكمًا. وما أخطر أن تنتهي القضية في سجلات المحكمة ويبقى النزاع حيًا في نفوس الأبناء، أو أن تُطوى الأوراق وتبقى الكلمات الجارحة تتردد في ذاكرة عائلة كاملة.

إن المحكمة الكنسية، من جهتها، لا ترى نفسها مجرد سلطة تفصل في النزاعات وتصدر الأحكام، بل ساعدًا من سواعد الكنيسة في خدمة الإنسان وشفائه. فالقانون الكنسي في فهمنا ليس جدارًا يفصل الإنسان عن أخيه، وإنما نظام للحق يضع حدودًا للفوضى والظلم، ويحفظ الكرامة، ويفتح، حيثما أمكن، بابًا للتوبة والإصلاح والمصالحة.

ولذلك فإننا نتطلع إلى تعاونكم مع المحكمة لا تعاونًا إجرائيًا فحسب، بل تعاونًا يحمل روح الكنيسة أيضًا؛ لنبحث معًا، دون إخلال بحقوق المتقاضين أو مقتضيات العدالة، عن الطريقة التي تليق بنا أبناءً للمسيح وأعضاءً في جسد كنيسته. فلا تكون غاية أحدنا إطالة الخصومة، بل بلوغ الحق؛ ولا تعقيد الجراح، بل معالجتها؛ ولا إسقاط الآخر، بل إعادة كل إنسان، بقدر المستطاع، إلى موضع يستطيع فيه أن يكمل حياته بسلام وكرامة.

وفي قضايا الأسرة على وجه الخصوص، علينا أن نتذكر دائمًا أن أمامنا مصلحة تتجاوز إرادة الزوجين نفسيهما، وهي مصلحة الأبناء. فهؤلاء لا يجوز أن يصبحوا شهودًا على حرب والديهم، ولا رسلًا بين خصمين، ولا أدوات للضغط والمساومة، ولا ضحايا لانتصارات قضائية عابرة. إن سلام الطفل النفسي، وحفظ صورة أبيه وأمه في وجدانه، واستمرار شعوره بأنه ابن لعائلة تحترم إنسانيتها حتى عند اختلافها، مسؤولية أخلاقية وروحية لا تقل شأنًا عن أي حق قانوني يُطلب أمام المحكمة.

كما أن العائلة في مجتمعنا ليست جزيرة منفصلة عن محيطها؛ فاضطرابها يمتد إلى الأسرة الكبيرة والعشيرة والمجتمع، كما أن سلامها يسهم في سلام الجميع. ومن هنا تصبح مسؤوليتنا أوسع من حدود الدعوى الفردية، لأنها تمس سلام العائلة، ووحدة المجتمع، والعلاقات بين الناس، وصولًا إلى سلامة النسيج الوطني الواحد الذي نعتز بانتمائنا إليه ونحمل جميعًا مسؤولية صونه.

إخوتي الأحباء،

انطلاقًا من رغبة المحكمة في تطوير العمل القضائي والارتقاء بمستوى التعاون بينها وبين الهيئة الكريمة من المحامين، سيتم قريبًا تحديد موعد للقاء يجمعنا بكم، نضع فيه على طاولة الحوار الأخوي والمسؤول عددًا من المسائل الدقيقة والحساسة التي وقفت عليها المحكمة من خلال جلسات المحاكمة وممارستها العملية خلال الفترة الماضية، وما استوجبته بعض الوقائع من ملاحظات وتوجيهات وتنبيهات ترى المحكمة ضرورة مناقشتها بصراحة ومحبة ومسؤولية، لا بقصد التضييق على دور المحامي، بل حمايةً لكرامة المهنة، وحسن سير العدالة، وصونًا لخصوصية القضاء الكنسي ورسالة الكنيسة.

وسيكون هذا اللقاء أيضًا مناسبة للوقوف بصورة واضحة أمام القانون الصادر عن بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية والمنظِّم لآلية منح إجازة الترافع وممارسة الترافع أمام محاكمها الكنسية، وشرح مقتضياته والالتزامات التي يرتبها، بما يسهم في تنظيم العلاقة المهنية والقضائية، ويعزز معايير المسؤولية والانضباط والأمانة التي ينبغي أن تحكم ممارسة الترافع أمام المحكمة الكنسية.

كما سنتناول بعض التوجيهات القانونية والعملية المتصلة بأحكام الوصايا والمواريث وفق التشريعات والقرارات التي أقرتها البطريركية من خلال المجمع المقدس مؤخرًا، بما يحقق وضوحًا أكبر في التطبيق، ويجنب المتقاضين والمحامين الإشكالات التي قد تنشأ عن اختلاف الفهم أو الممارسة، ويؤسس لعمل قضائي أكثر انتظامًا ودقة واستقرارًا.

وإنني إذ أضع بين أيديكم هذه الكلمات مع بداية عامنا القضائي الجديد، لا أكتبها إليكم من موقع يفصل المحكمة عن المحامين، بل من إيمان عميق بأن العدالة الكنسية لا تستقيم إلا بتكامل أدوارنا، مع بقاء استقلال كل دور وحدوده ومسؤوليته. فالقاضي مؤتمن، والمحامي مؤتمن، والموكل أمانة، والحقيقة أمانة، والعائلة أمانة؛ وفوق الجميع يقف الله، فاحص القلوب والكلى، الذي أمامه تنكشف المقاصد قبل الأقوال.

أُكرِرُ لنتذكر أنَّ القيمة الحقيقية لعملنا لا تُقاس بما أنجزناه من قضايا، بل بما نستطيع أن نحمله معنا بضميرٍ مستريح حين نقف أمام الله؛ فقد تنتهي الدعوى بحكم، ويُغلق الملف بقرار، لكن مسؤولية الكلمة والموقف والمشورة تبقى مكتوبة في حياة الإنسان الذي مرّ أمامنا. ومن هنا، فلنجعل من عامنا القضائي الجديد عهدًا متجددًا مع الله وضمائرنا، أن نبقى أمناء للحق دون قسوة، وللقانون دون جمود، وللإنسان دون محاباة؛ مدركين أن هيبة العدالة لا تقوم بكثرة ما تُصدره من أحكام، بل بقدرتها على أن تعطي كل ذي حق حقه، وأن تترك، بعد انقضاء الخصومة، للإنسان كرامته، وللكنيسة رسالتها، وللمجتمع سلامه وتماسكهُ. وبهذه الأمانة نخدم كنيستنا ووطننا، ونبقى جديرين بالمسؤولية التي حُمّلنا إياها أمام الله والضمير.

أوَّد ان اشارككم بمحبَّةٍ قصة من عمقِ تعليمِ وخبرةِ الكنيسة:-

سمعتُ كثيرًا من أبنائنا المتداعين، عند سؤالهم عن سبب عدم التواصل مع الطرف الآخر، فتكون الإجابة: “أبونا، المحامي طلب مني ألّا أتواصل معه، وأن يكون أي شيء عن طريقه فقط، وأكّد عليَّ”.

وأنا أقول: إنَّ هذا أمرٌ مؤسف ومعيب بحق الرسالة والأخوّة في جسد المسيح، وعليه دينونة عظيمة أمام الله، إذا تحولت الرسالة من رسالة محبة وحق وإنصاف إلى رسالة تفريق وتمزيق لجسد المسيح، كما فعل أريوس في جسد الكنيسة منذ نحو 1700 عام.

ويُروى أنَّ القديس بطرس الإسكندري رأى في رؤيا قميص السيّد المسيح ممزقًا، فسأله قائلًا: “يا سيد، مَن مزّق ثيابك؟”، فأجابه: “أريوس الجاحد“. فعسى ألّا نجحد نحن نعمة الله المعطاة لنا، بل أن نبقى أمناء لها، بأمانتنا للرسالة التي اؤتُمنا عليها، وخدمة الإخوة، والسعي إلى سلامهم.

خِتاماً؛

 أسأل إلهنا المتحنن، والديَّان العادل، أن يهبنا جميعًا حكمةً في الفكر، ونزاهةً في الضمير، واستقامةً في القول والعمل، وأن يجعل مخافته المقدسة أمام أعيننا في كل قضية وقرار ومرافعة ومشورة، لكي نؤدي الأمانة التي عهد بها إلينا ونحن مستعدون لذلك اليوم الذي نقف فيه جميعًا أمام منبره المرهوب، فلا يكون ما صنعناه سبب دينونة لنا، بل شهادةً بأننا سعينا، بقدر ضعفنا البشري، إلى أن نخدم الحق بمحبة، والعدالة بضمير، والإنسان بكرامة.

عمان في 5 ايلول 2026

                                                                  الدَّاعي لَكُمْ بِالخَيْرِ

                                                                       الأَرْشِمَنْدريت خِريستوفوروس

رَئيسُ مَحْكَمَةِ البِدايَةِ الكَنَسِيَّةِ لِلرُّومِ الأُرثوذُكْسِ – الأُرْدُن

Reviews

0 %

User Score

0 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *