جوهرُ الإيمانِ وصياغةُ العقيدة
ناصر الياس الخوري
يخرج علينا بين الحين والآخَر مَن يشكّك في أصالة العقيدةِ المسيحيّةِ مدّعيًا أنّها انحرفت عن تعليم السّيّد المسيح، أي أنّ عقائدَ أساس في المسيحيّة مثل الثّالوث والتّجسّد والصّلب والفِداء هي وليدةُ قرونٍ متأخّرةٍ من تاريخ المسيحيّة، والحقَّ أنّ أفضل مقاربةٍ للردِّ على هكذا ادّعاءاتٍ هو المقاربةُ التّاريخيّةُ لنصوص العهد الجديد، من هنا تحتلُّ رسالةُ الرّسول بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي مكانةً فريدةً واستثنائيّة، فهي ليست مجرّدَ رسالة رعويّةٍ تشجيعيّةٍ كُتبت لجماعة مؤمنة ،بل هي وثيقةٌ تاريخيّةٌ حاسمة تُثبت أنّ جوهرالعقيدة المسيحيّة لم يكن نتاج تطوّر لاهوتي متأخّر أو نتاجَ مجامع مسكونيّة عُقدت بعد قرون، بل كان كامنًا ونابضًا في قلب الكنيسة منذ منتصفِ القرن الميلادي الأوّل، أي في الجيلِ الأوّل من تاريخ الكنيسة المسيحيّة.
تُجمِع الأبحاث التّاريخيّةُ والنّقديّة، بمختلف مدارسِها، على أنّ رسالة بولس الرّسول إلى أهل تسالونيكي الأولى هي أقدمُ وثيقةٍ مكتوبةٍ في العهد الجديد على الإطلاق، إذ كُتبت بين العامين 49 و51 ميلاديّة، أي بعد أقلّ من عشرين عامًا فقط من أحداثِ الصّلب والقيامة والصّعود. هذا التّاريخُ المبكرُ يحمل في طيّاته دلالةً دفاعيّة وتاريخيّةً حاسمة، ذلك أنّ الفترةَ الزّمنيّة الفاصلة بين الحدث التّاريخي، المتمثّل في حياة المسيح وصلبِه، وبين صياغة هذه الرّسالةِ هي فترةٌ قصيرة جدًّا بمقاييس التّاريخ القديم، هذه المدّةُ الوجيزةُ تُلغي تمامًا فرضيّةَ التّطوّر الأسطوري أو التّحريف التّدريجي للنّصّ أو العقيدة. ففي علم الاجتماع وتاريخ الأديان، تحتاج الأساطير أو التّحويرات الجوهريّةُ إلى أجيالٍ متعاقبةٍ متباعدةٍ لكي تنمو وتغيّر الحقائق، أمّا وجود إيمانٍ صلب ومستقرٍّ ومنتظم بعد أقلّ من عِقدَين من الزّمان، فهو دليل قاطع على أن ما كُتب هو ذاتُه ما اختبرَه وعاشَه المسيحيّون الأوائل دون تبديل.
من يقرأ رسالة تسالونيكي الأولى بدقّة سيلاحظ غيابَ المصطلحاتِ اللاهوتيّة والفلسفيّة المألوفة التي ظهرت لاحقًا مثل “الثّالوث”، “الأقنوم”، أو “الجوهر”. وهذا الغياب هو في الواقع نقطة قوّة وصدقيّة تاريخية، فهذه المصطلحات صِيغت وتطوّرت بدءًا من القرن الرّابع في المجامع المسكونيّة لتقنينِ الإيمان ودحض الهرطقات باستخدامِ أدواتِ الفلسفة اليونانيّة. ولكنّ غيابَ المصطلح لا يعني أبدًا غيابَ العقيدة ذاتِها، فالرّسالة تحمل في طيّاتِها النّواة الصّلبة لكلِّ العقائد المسيحيّة الرّئيسة التي صيغت لاحقًا، حيث تظهر فيها تلك الحقائق كممارساتٍ لاهوتيّة عفويّة ومستقرّة في وجدان الكنيسة قبل أن توضع في الصّياغة اللاهوتيّةِ سواء في المجامع المسكونيّة أو كتاباتِ الآباء.
فإذا قمنا بفحص نصِّ الرّسالة بشكل شامل، سنجد أنّ العقائدَ الكبرى التي يقوم عليها الإيمانُ المسيحي حاضرةٌ بقوّةٍ وبشكلٍ متداخلٍ ينِمُّ عن بديهيّة قبولِها وعفويّته لدى المؤمنين آنذاك. فمن جهة ألوهيّة المسيح والتّجسّد، يضع بولس الرّسول “الرّبّ يسوع المسيح” في مرتبة مساوية لله الآب تلقائيًّا، حيث يفتتح رسالتَه بالقول «في الله الآبِ والرّبّ يسوع المسيح»، ويستخدمُ لقبَ “الرّبّ” وهو الّلقبُ المترجم عن الإسم الإلهي في العهد القديم، للدّلالة على المسيح، ما يعكسُ إيمانًا راسخًا بالتّجسّد، أي أنّ هذا الرّبّ الإلهي قد صار إنسانًا وعاش بينهم.
كذلك تظهر الملامحُ الثّالوثيّةُ بوضوح من خلال الإشاراتِ المتكرّرة للآب والابن والرّوح القدس ككيانٍ إلهي واحد يتعامل مع البشر، إذ يذكر في الأصحاح الأوّل أنّ البشارة لم تصِرْ لهم بالكلام فقط بل بالقوّةِ وبالرّوح القدس وبيقين عظيم.
أمّا عقائدُ الصّلب والفداء والقيامة، فهي المحورُ والرّكيزةُ الأساس التي تدورُ حولَها تعزيةُ بولس للمؤمنين في تسالونيكي إذ يقول بوضوح وجزم «لأنّه إن كنّا نؤمن أنّ يسوع مات وقام، فكذلك الرّاقدون بيسوع، سيُحضِرَهم الله أيضًا معه». وهنا نرى ترابطًا لاهوتيًّا كاملاً بين موت المسيح الحقيقي على الصّليب وقيامتِه التّاريخيّة من بين الأموات كضمانةٍ لقيامة المؤمنين وفدائِهم.
ممّا لا شكّ فيه أنّ عملَ الرّوح القدس في حياة الكنيسة هو الضّامنُ الحقيقيُّ لحفظ وديعةِ الإيمان سليمةً كما تسلّمناها من الرّسل القدّيسين، إلا أنّ رسالةَ أهل تسالونيكي تُشكّل حجّةً دامغةً ودفاعًا قويًّا ضدّ أيّةِ دعاوى تزعم التّحريفَ في الكتاب المقدّس، فهي تحتوي بالفعل على الإيمان بالثّالوث وألوهيّةِ المسيح والتّجسّد والصّلب والقيامة ومجيئِه الثّاني. هذا التّطابقُ الجوهريُّ بين إيمان الكنيسة في سنة 50 ميلاديّة وتعليمِها الثّابتِ عبر العصور حتى يوم النّاس هذا ، ينفي أيّة فرصةٍ للقول بأنّ العقيدةَ جرى تزييفُها، ما يجعلُ من هذه الرّسالة بمثابةِ المدماك الرّاسخ والحيِّ والذي يُظهرُ أنّ العقائدَ المسيحيّةَ الأرثوذكسيّةَ المستقيمةَ لم تكن نتاج تطوّرٍ فكريٍّ بطيء، بل كانت ولا تزال، في جوهرِها، أساسَ تعليمِ الكنيسةِ الجامعةِ المبكِرِ وحجر الزّاوية في إثبات استمراريّةِ التّقليد الرّسولي وثباتِه وأصالتِه.











