الشِّباك التي اصطادتِ الأمم

بقلم الإيبوذياكون مكسيموس الصّنّاع

تبدأ القصّة على شواطئ بحر الجليل، حيث نقرأ في (لوقا 5: 1-11) عن ليلةٍ قاسية ومحبِطة عاشها صيادون بسطاء. تعبوا الّليل كلّه ولم يصطادوا شيئًا. في الصّباح، يطلب منهم الرّبُّ يسوعُ المسيح أن يُلقوا الشِّباك مرّة أخرى. ورغم التّعب وخبرة الصّيد التي تتعارض مع توقيت إلقاء الشِّباك، تأتي الطّاعةُ بكلمة بطرس: «على كلمتِكَ أُلقي الشّبكة». كانتِ النتيجةُ صيدًا وفيرًا كاد يمزّق الشِّباك، ومشهدًا جعل بطرس يخرُّ عند ركبتَي الرّبِّ معترفًا بضعفه وخطيئته، ليأتيه الرّدُّ الإلهيُّ الذي غيّر مسار التّاريخ: «لا تخف، من الآن ستصطادُ النّاس».

ويتكاملُ هذا المشهدُ مع ما ورد في (متى 4: 18-22) و(مرقس 1: 16-20)، حينما وجّهَ الرّبُّ نداءَه المباشَر لبطرس وأندراوس، ثم ليعقوب ويوحنّا: «هلمَّ ورائي فأجعلُكُما صيّادَي النّاس». لم يكن الرّدُّ تفاوضًا أو طلبًا لمهلة، بل تخلّيًّا فوريًّا. تركوا الشّباك، وتركوا السّفينة وأباهُما، وتبعوا المسيح.

من هذا السّردِ الكتابي المباشر، نغوصُ في أبعادٍ أعمقَ لقرارِ التّخلّي. لم تكن الشِّباك في حياة هؤلاء التّلاميذ مجرّدَ أداة لجني الرّزق، بل كانت تمثّل كلّ ما يمكن للإنسان أن يتّكلَ عليه زمنيًّا. وعندما تُركت الشّباك على الشّاطئ، لم يكن ذلك مجرّدَ تغييرِ مهنةٍ أو أسلوب حياة، بل استجابةً لعمل النّعمة الإلهيّة في القلب، واستعدادًا للسّير وراءَ دعوةِ الله دون شروط أو ضمانات بشريّة.

هنا تظهر حكمةُ الله العجيبة في إعداد رُسُلِه. فالرّبُّ لم يطلب منهم أن يتخلّوا عن خبراتِهم السّابقة، بل قدّسها ووجّهَها نحو غاية أعظم. لقد استخدم صبرَهُمُ الطّويلُ في انتظار السّمك ليكون صبرًا على ضعفِ البشر، ووظّف ثباتَهم أمام أمواج البحر ليكونوا قادرين على مواجهة الاضطهاداتِ والتّجارب. لقد تحوّل الصّيدُ من جمع السّمك إلى جمع النّفوس، لا لانتزاعها إلى الموتِ، بل لقيادتِها إلى الحياة الجديدة في المسيح. وهذا ينسجمُ مع الّلفظ اليوناني الذي استخدمَه الرّبّ في (لوقا 5: 10)، إذ أنَّ كلمة «تَصْطَاد» (ζωγρῶν) تحمل معنى الإمساك بالحياة أو اقتناء الإنسان حيًّا، لا أخذَه إلى الهلاك. وهكذا صار الرّسل يجمعون النّفوسَ لتنالَ الحياة في المسيح. وهذا المعنى يتعمّق أكثر حينما جدّدَ الرّبُّ دعوتَه لبطرس قائلاً له: «إرعَ خرافي» (يوحنّا 21: 15-17)، لتتحوّلَ مهمّةُ الصّيّاد إلى خدمة الرّاعي الذي يقودُ شعبَ الله ويحفظَه.

عندما خرج هؤلاء الصّيّادون إلى العالم، لم يحملوا شِباكًا مادّيّةً، بل حملوا شِباك الإيمان والمحبّة والتّجرّد، منفّذين الوصيّة العظمى: «فاذهبوا وتلمذوا جميعَ الأمم» (متى 28: 19). وقد تحقّقَتِ فيهم النّبوّةُ القائلة: «هأنذا أرسل إلى كثيرين من الجَزَّافِينَ (الصيادين) فيصطادونّهم» (إرميا 16: 16). ولم تكن قوّةُ كِرازتِهم قائمةً على حكمةٍ بشريّةٍ أو بلاغة مجرَّدة، بل على نعمة الله العاملة فيهم. وكما يوضح القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم، فإنّ اختيارَ الرّبِّ لصيّادينَ بسطاء كان إعلانًا أنّ قوّةَ الإنجيل لا تقوم على حكمةِ البشر بل على قدرة الله.

لقد اصطاد الرّسُلُ النّفوسَ التّائهةَ من بحر هذا العالم، لا ليقودوها إلى فكرةٍ أو فلسفة، بل إلى شركة الحياة الجديدة في المسيح داخلَ الكنيسة المقدسة، حيث يختبر الإنسانُ نعمةَ الخلاصِ وحضورَ الله.

واليومَ، ونحن نعيش فترةَ صومِ الرّسل الأطهار، تدعونا الكنيسةُ إلى التّأمُّل في هذه المسيرة. ما هي الشِّباك التي ما زالت تقيِّدُنا؟ قد تكون التّعلّقُ بالمادّيّات، أو الكبرياء، أو الخوف من التّغيير، أو الاتّكالِ المفرِطِ على الذّات. إن تركَ هذه الشّباك يتطلّب شجاعةً روحيّة، لكنّه يفتحُ أمام الإنسان طريقَ الحرّيّةِ الحقيقيّة.

لقد صادَ الرّسلَ العالم لا بالقوّة أو الإجبار، بل بقوّةِ الإنجيلِ ومحبّته الباذلة. وهكذا تُدعَى كلُّ نفسٍ مؤمنةٍ أن تسيرَ في خُطاهم، شاهدةً للمسيح في هذا العالم، وحاملةً نورَه إلى كلِّ إنسان، لتبقى شباكُ الإنجيلِ ممتدَّةً عبر الأجيال، تجمعُ النّفوسَ إلى مرفأ الخلاص والحياةِ الأبديّة في الرّبِّ يسوعَ المسيح.

Reviews

0 %

User Score

0 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *