حلول الروح القدس والنعمة غير المخلوقة للقديس غريغوريوس بالاماس

إن نعمة الله بحسب اللّاهوت والخِبرة الرّوحيّة لآباء الكنيسة الرومية الأرثوذكسية تشكل ركناً أساسياً في العقيدة المسيحية.

‏إن مصطلح (نعمة الله) في سياق اللاهوت لا يشير إلى قدرة ماديّة إلهيّة وجوهرية محددة، بل إلى قدرة إلهيّة طبيعية غير مخلوقة. وعندما نشترك بنعمة الله تكون هذه القدرة مؤلِّهة لنا. فهي تؤلِّه المؤمنين وتُظِهر ميزتها الخلاصية فينا. لذلك لا يمكن توحيدها مع باقي القدرات الإلهية الأخرى التي للثالوث.

‏وعلينا أن نوضِّح أن تعاليم القديس غريغوريوس بالاماس حول النعمة هي تعاليم منطلقة من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد على حد سواء. فمثلا:

من العهد القديم:

  • “كَمَا أَنَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِالْمُسْتَهْزِئِينَ، هَكَذَا يُعْطِي نِعْمَةً لِلْمُتَوَاضِعِينَ.” (أم 3: 34). ‏وهذه النعمة تظهر من خلال النور غير المخلوق.
  • “أَنْتَ أَبْرَعُ جَمَالًا مِنْ بَنِي الْبَشَرِ. انْسَكَبَتِ النِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيْكَ، لِذَلِكَ بَارَكَكَ اللهُ إِلَى الأَبَدِ.” (مز 45: 2). ‏‏وهذا ما يتوافق مع تفسير الذهبي الفم لهذا المزمور. ومن هذه الآيات يعلن عن طبيعة النعمة بأنها إلهية وغير مخلوقة.
  • “لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لَا تَضْبُطُ مَاءً.” (إر 2: 13). ويوضح أن الماء الحي هو الروح القدس.
  • “اللاَّبِسُ النُّورَ كَثَوْبٍ، الْبَاسِطُ السَّمَاوَاتِ كَشُقَّةٍ.” (مز 104: 2). ‏وبحسب هذا المزمور فإن النعمة الإلهية هي النور الإلهي. إن هذا النور هو النار غير الهيولية التي تنير نفوس العالم والتي تقودهم إلى الله.
  • “وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ مَنًّا لِلأَكْلِ، وَبُرَّ السَّمَاءِ أَعْطَاهُمْ. أَكَلَ الإِنْسَانُ خُبْزَ الْمَلاَئِكَةِ. أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ زَادًا لِلشِّبَعِ” (مز 79: 24 – 25). وأن هذا الخبز الذي أكله الشعب في البرية ما هو إلا نور النعمة الإلهية الذي يتغذى عليه الملائكة والبشر الروحانيون.
  • كما ونلمس نور النعمة الإلهية في حادثة العليقة الملتهبة وغير المحترقة التي رآها موسى على جبل حوريب في (خروج ٣: ٢) “وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ. فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ.”
  •  وفي شخص موسى عندما حمل الوصايا الإلهية في خروج (٣٤: ٢٩)”وَكَانَ لَمَّا نَزَلَ مُوسَى مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِ مُوسَى، عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ الْجَبَلِ، أَنَّ مُوسَى لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ جِلْدَ وَجْهِهِ صَارَ يَلْمَعُ فِي كَلاَمِهِ مَعَهُ.” (خر 34: 29).
  • وفي صعود إيليا على المركبة النارية “وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ.” (2 مل 2: 11).
  •  وفي ارميا الذي شعر بهذه النعمة مثل النار  في جوفه “فقلت لها اذكره ولا انطق بعد باسمه مكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي مللت من الإمساك ولم استطع”(ارميا ٢٠: ٩).
  • في يوئيل النبي «وَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى.” (يوء 2: 28). وهذه الآيات تشير إلى النعمة التي وعد بها المسيح تلاميذه وجميع المؤمنين به من خلال اسرار الكنيسة.

‏ومع ذلك فإن نعمة الله التي ظهرت في نبؤة العهد القديم وانكشفت بشكل جزئي في التاريخ قد دخلت في واقع جديد دشّنه تجسد الله الكلمة وحلول الروح القدس. فالعهد القديم والجديد لا ينفصلان عن بعضهما في موضوع النعمة، لأن الرابط بينهما هو نور مجد الله، هذا النور الذي رآه موسى وإيليا وظهر معهما في جبل ثابور، وأن هذا النور يمثِّل تذوقاً لنور الله المستقبلي في ملكوته.

ويميِّز القديس غريغوريوس بالاماس بوضوح في كتاباته ما بين وجود الروح القدس الأزلي كأقنوم، و إرسال الروح القدس إلى العالم في الزمن. وأن هذا الإرسال يكون لنعمة الروح القدس والقدرة الإلهية وليس لجوهر الروح القدس.

فمن العهد الجديد:

  •  في تحدُّثه عن سرّ المعمودية “فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ،” (مت 3: 16). نراه يوحِّد ما بين: ظهور الروح القدس ونعمة الروح القدس. ولذلك فإن الكتاب عندما يتكلَّم عن نزول الروح القدس على المسيح في المعمودية  فإن الذي نزل ليس الأقنوم كما يدعي البعض، وأنما هي النعمة، أو بالأحرى قدرة الروح القدس العجائبية.
  •  تلك القدرة التي قال عنها المسيح، له المجد، في حالة شفاء النازفة الدم، بأنه شعر بالقوة التي خرجت منه “فَقَالَ يَسُوعُ: «قَدْ لَمَسَنِي وَاحِدٌ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي».” (لو 8: 46).
  •  وهي نفسها نعمة قوة الشفاء التي للروح القدس “وَكُلُّ الْجَمْعِ طَلَبُوا أَنْ يَلْمِسُوهُ، لأَنَّ قُوَّةً كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَشْفِي الْجَمِيعَ.” (لو 6: 19).
  •  ‏وعن حقيقة إعجاب الناس بكلام النعمة الخارج من فمه “وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ، وَيَقُولُونَ: «أَلَيْسَ هَذَا ابْنَ يُوسُفَ؟»” (لو 4: 22).هذه أيضاً تعود إلى النعمة الإلهية.
  •  وعن نعمة الكلام نجدها أيضاً في العهد القديم في المزمور المزمور ٤٥”فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ. مُتَكَلِّمٌ أَنَا بِإِنْشَائِي لِلْمَلِكِ. لِسَانِي قَلَمُ كَاتِبٍ مَاهِرٍ.”(مز 45: 1). فهذه النعمة يسميها المسيح روحاً حيث قال عن الكلام: “اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلَا يُفِيدُ شَيْئًا. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ،” (يو 6: 63).لذلك فإن المسيح يوحِّد في التعبير ما بين نعمة الله وروح الموهبة التي للروح القدس قائلاً عن الروح المنسكب بشكل رئيسي من الروح الإلهي هو نعمة.

إن الفحوى اللَّاهوتي للنعمة الإلهية تجده في العهد الجديد وفي العهد القديم على حدٍّ سواء ولكن بتعابير متعددة.

  • وفي آيات يوحنا (٤: ١٠- ١٤) في حديثه مع المرأة السامرية عن “الماء الحي” يتكلم القديس غريغوريوس عن وحدة التعبير ما بين الماء الحي ونعمة وقدرة الروح القدس، حين “أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا».قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: «يَا سَيِّدُ، لَا دَلْوَ لَكَ وَالْبِئْرُ عَمِيقَةٌ. فَمِنْ أَيْنَ لَكَ الْمَاءُ الْحَيُّ؟ أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ، الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ، وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ؟» أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا. وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ».
  • كما وأن الرسل في حادثة التجلِّي قد رأوا نعمة الله وقدرته، ويسمّيها بـِ”النعمة المؤلِّهة” ويقول أن الأبرار بهذا الضياء كالشمس سيضيئون في ملكوت الله.  وأن المجد الإلهي يتماهى وجودياً مع النعمة الإلهيِّة، وهذا ما عاينه رئيس الشمامسة استفانوس في أعمال الرسل ( ٧: ٥٥- ٥٧)” وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ الله، فَقَالَ: «هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ الله». فَصَاحُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَسَدُّوا آذَانَهُمْ، وَهَجَمُوا عَلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ».

إذاً فالقديس غريغوريوس يتكلم عن نعمة الروح بأنها نور المسيح ‏الذي ينير الظلمة ويستقر على الرسل وهو الموهبة الإلهية التي للروح القدس.

وعن نور النعمة الإلهية يدعوه القديس غريغوريوس بأنه النار غير الهيولية، وأن هذه النار غير الهيولية هي القدرة الفاعلة، إنها نعمة إلهيّة.

  • ونرى هذه النار في أعمال الرسل عندما قَبِلَ التلاميذ الألسن الناريّة ‏يوم العنصرة “وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.” (أع 2: 3).
  • وهي نفسها النار التي أعمت الأعين الحسّية للرسول بولس وفتحت أعين قلبه عندما كان ذاهبا كي يضطهد المسيحيين في دمشق “فَنَهَضَ شَاوُلُ عَنِ الأَرْضِ، وَكَانَ وَهُوَ مَفْتُوحُ الْعَيْنَيْنِ لَا يُبْصِرُ أَحَدًا. فَاقْتَادُوهُ بِيَدِهِ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى دِمَشْقَ.” (أع 9: 8).
  • وهي أيضاً النار التي التهبت في قلب كليوباس ورفيقه أثناء حديثهما مع الرب يسوع المسيح على طريق عمواس “فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ: «أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟»” (لو 24: 32).

إن هذا النور غير مخلوق، وهو حياة أبدية، لأن من يحيا به لا ينفصل عن الله.

ويُعلَن عن النعمة الإلهية بأسماء كثيرة وجميعها تعبِّر عن فحوى وجودي، فالنعمة الإلهية تسمى:

“النور غير المخلوق” أو “التألُّه” أو”ينبوع الصلاح” أو “الصلاح” أو “الكمال” أو “المجد” أو “البهاء” أو “ملكوت الله”.

 إن جميع هذه الأسماء تعود إلى النعمة الإلهية، ومع ذلك فإن جميع هذه الألقاب لا تُنسب إلى جوهر الأقنوم، لأن الجوهر لا يمكن أن يوصف بألقاب.

إن النعمة الإلهية لا تشكِّل جوهراً، وليست هي أقنوم مستقل بحد ذاته، وبالرغم من أنها أقنومية إلا أنها ليست مرتبطة بأقنوم معيَّن دون سواه، لأننا نراها في الأقانيم الثلاثة كونها تأتي من الجوهر الإلهي غير المخلوق، وتبقى غير منفصلة عن هذا الجوهر لأنها قدرة طبيعية للثالوث.

‏وتكون النعمة الإلهية أقنومية حتى مع الخلائق الذين يشتركون بها. وهذا لا يعني أن النعمة تحلُّ بشكل عرضي على الخلائق وإنما بحلولها عليهم تتحد بطبيعتهم.

فالنعمة الإلهية هي: قدرة الله التي تحل على البشر بدافع محبة الله للبشر من أجل خلاصهم.

‏ولكن ما هو مصدر النعمة الإلهية وعلَّتها، وما هي ميزاتها وكيف تُكشَف في الخليقة وبشكل خاص في الإنسان؟ كل هذه الأسئلة جميعهاً مهمة في موضوع لاهوت النعمة ، وللاجابة عن هذه الأسئلة علينا أن نرجع إلى الله الثالوث الذي هو مصدر كلِّ العلّات.

إن ينبوع النعمة الإلهية هو الجوهر الإلهي غير المخلوق، أي الله الثالوث بأكمله، لذلك يقول القديس غريغوريوس بالاماس أن المصدر هو الآب والإبن والروح القدس معاً. أي أنهم هم مصدر الماء الحي، الذي هو النعمة الإلهية.

إن القدرة الإلهية هي واحدة للأقانيم الثلاثة، وتُمنَح بطريقة ثالوثية: أي من الآب بواسطة الابن بالروح القدس، ولو لم تكن النعمة الإلهية واحدة ومشتركة للأقانيم الثلاثة الإلهية لكان هناك تبايناً في القدرات لكل طبيعة أقنوم، وهذا الاعتقاد يهدِّد حقيقة وحدة الثالوث الأقدس.

‏وفقا للّاهوت والخبرة الروحية للكنيسة، فإن نعمة الله غير مخلوقة لأنها تشكل قدرة جوهرية للطبيعة الإلهية الواحدة. وهذه النعمة الواحدة يعلّمها القديس غريغوريوس بالاماس كتابياً.

كما ونراها في (2 تي 1: 9)”الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لَا بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ” أي أن النعمة أعِدت لنا منذ الأزل فكيف تكون مخلوقة؟!  وكون أن النعمة غير مخلوقة وإلهيّة فإن الذين يتعمدون يولَدون من الله. ولذلك يقول الرب لنيقوديموس في(يو 3: 6) “اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ.”

إذا المعمَّدين يُدعون “روح” لأنهم مولودين من الروح، وهكذا يصبح المؤمنون حقاً بشراً روحيين لأنهم يحملون الروح الإلهي، ولأنهم اخذوا موهبة الميلاد بالنعمة الإلهية أي من روح الله.

إن برلعام و أكينذينوس اللّذين من أصحاب الفكر الغربي الذين يرفضون الهدوئية ويدّعون بأن النعمة الإلهية مخلوقة ومرئية بالحواس، لذلك نجدهما يفصلان النعمة عن الطبيعة الإلهية باعتبار أن ما يميزها هو أنها مخلوقة.

وبهذا التعليم فإنهما يسيران بفكرهما مع آريوس وأفنوميوس اللّذين حاربا الروح القدس، لأنهما اعتبرا أن نعمة الله مخلوقة، وبالتالي فهما بهذا الاعتقاد يجدفان على الروح القدس الذي يسكن بنعمته في القديسين.

ولكن الفكر اللّاهوتي السامي جداً للقديس غريغوريوس يدافع عن النعمة المؤلِّهة، إذ يقول: “لو أن النعمة الإلهية، كونها قدرة جوهرية لله، هي مخلوقة فيجب على الجوهر الإلهي أن يكون مخلوقاً أيضاً لأن القدرة المخلوقة تعلن الطبيعة المخلوقة والقدرة غير المخلوقة تعلن الجوهر غير المخلوق.

وبناء على ذلك فإن برلعام وعموم أصحاب اللاهوت الاجتهادي الغربي يشددون على أن نعمة الله مخلوقة، وفي نفس الوقت فإنهم يوحِّدون النّور الإلهي والمجد الإلهي مع الطبيعة الإلهية. وبهذه الطريقة فإنهم ينكرون الميزة الإلهيّة للطبيعة الإلهية، وبالتالي فإن هذا يوصلنا إلى عدم وجود الله.

جميع الذين ينكرون الصفة الإلهيّة للنعمة ينكرون الله نفسه حتى ولو أنهم يقبلون بوجود جوهره.

إن المفهوم اللّاهوتي حول النعمة المخلوقة يتضاد مع الخبرة الروحيّة للكنيسة، كون أن النعمة الإلهية تشكل “استنارة خارقة سرّية للقدرة الإلهية، التي تُرى وهي غير مرئية وتُدرك وهي غير مدرَكة بالحواس”.  ‏وهذا كله بسبب ميزتها غير المخلوقة. ولو كانت النعمة الإلهية مخلوقة كما يدعي اللاهوت الغربي بعكس القديس غريغوريوس بالاماس، فإنه بذلك لا يدمر اللاهوت فحسب بل ويدمر العمل الخلاصي للكنيسة أيضا، لأنه إن كانت النعمة الإلهية مخلوقة فإن علاقة القديسين وشركتهم مع الله تُقطع.

إن النعمة الإلهية، بحسب تعليم الكنيسة، هي غير مخلوقة، وهذا تعليم أساسي لا يقبل الجدال. كما وأن هذه النعمة ليست صادرة من قدرات الله وإنما من جوهره وبالتالي فهي غير مخلوقة.

 إن النعمة الإلهية التي تجعلنا شركاء لله تجعل علاقة مباشرة بين الله والبشر المتألِّهين. وهذه العلاقة غير المخلوقة هي علاقة وثيقة، وهي علاقة إلهيِّة لا تتشابه مع أي نوع من العلاقات البشرية المخلوقة. وأن النعمة لا تُعَد  من ضمن قدرات البشر المخلوقة، ولكن انعكاسها على البشر الممنوحة لهم يكون متنوعاً بقدر احتياج الكنيسة في ذلك الوقت وذلك المكان.

مثلاً: التكلُّم باللغات كان من ضمن احتياج الكنيسة في ذلك الوقت ليخدم هدف البشارة.

 ‏ولكن كيف تُكشَف لنا النعمة الإلهية لله الثالوث كخبرة محددة بالرغم من أنها غير مخلوقة ؟

‏في البداية علينا أن نَعلم أن النعمة الإلهية باقية دائماً وهي غير منفصلة عن الطبيعة الإلهية، وهي أيضاً موجودة في كل مكان كما هو الحال في الجوهر الإلهي.

ويفسر القديس غريغوريوس عبارة ” المالئ الكل أو الموجود في كل مكان” أن الجوهر الإلهي يبقى غير معروف وهو غير مُدرَك ولا يمكن الاشتراك به من قبل المخلوقات، لذلك يظهر الجوهر الإلهي بالنسبة للبشر مجهولاً بعكس النعمة الإلهية التي تُعتبر مجهولة فقط لأولائك المحرومين منها، أي الذين يفتقرون إلى الرؤية الإلهية والخبرة الروحية الحيّة. ولكنها تظهر ويشترك بها فقط أولائك الذين وصلوا إلى الأحاسيس الروحيّة المناسبة.

إذَن فإن الله يظهر فقط من خلال قدرته ونعمته ولا يمكن أن يظهر من خلال جوهره.

إن حلول الروح القدوس على المؤمنين يعتبر مظهر من مظاهر النعمة الإلهية، وهو يعتبر ظهور الله للبشر، ولكن الطريقة التي يحل بها الروح القدس على المؤمنين تبقى سراً.

 ‏عندما تحل نعمة الروح القدس على المؤمنين فإنها تتجزأ ولكنها لا تنقسم. كما وان هذه القدرة لا تتكاثر ولا تتقدم ولا تنمو. إن ظهور نعمة الله تتحد بالمعنى اللاهوتي مع إرسال الروح القدس. وعندما نقول “الروح القدس” لا يُفهم هنا بأنه ظهور وجودي لأقنوم الروح القدس، وإنما بالعمل التدبيري لظهور مواهب الروح القدس.

وكلمة الروح القدس في الإرسال تُفهَم بأنها نعمة وقدرة الثالوث الأقدس ككل.

‏ولكن بالرغم من أن الروح القدس، كنعمة لله الثالوث، يحلُّ على الخليقة من قِبَل الله الثالوث بأكمله، إلّا أنه يرسَل ويُظهَر للبشر من خلال الله الابن. “«وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي.” (يو 15: 26).

إن المفهوم الغربي بأن النعمة مخلوقة قادهم إلى هرطقة الفوليكفة (أي الاعتقاد بالانبثاق من الآب والابن) وهذا كلُّه مضاد لعقيدة الثالوث الأقدس في الكنيسة. وكون أن اللاتين لا يميزون ما بين الجوهر والقدرة والأقنوم فإنهم بالتالي يوحّدونهم ويدمجونهم ويوحّدون معهم النعمة أيضاً، وبالتالي فإنهم يدمجون الميزات الأقنومية مع الطبيعة والجوهر و مع القدرة الجوهرية، وهذا ما جعلهم ينسبون الانبثاق ليس فقط من أقنوم الآب وإنما أيضا من اقنوم الابن.

‏وفي هذه الحالة عندما تكون علّة وجود الروح القدس مركّبة من أقنومي (الآب والابن) فإنه لا يمكن أن يكون الروح القدس إلهاً، وإنما يكون مخلوقاً لأن كل ما هو من الآب بالابن يكون مخلوقاً بحسب القديس يوحنا اللاهوتي “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.” (يو 1: 3).

وإن هم أي الغربيين وحّدوا الميزات الأقنومية بالطبيعية لله، فإنه حينها سيكون انبثاق الروح القدس ليس فقط من الآب والابن  وإنما أيضا من ذاته، ولذلك سوف يكون عندنا روحين للروح القدس واحد منبثق وآخر ينبثق. ولذلك سيتحول الثالوث إلى رباعي. وبالنتيجة فإن انبثاق الروح القدس لا يمكن أن يكون ميزة مركَّبة من الأقانيم الإلهية. إن الشيء الوحيد المشترك للثالوث هو الطبيعة والجوهر الواحد، أي القدرة الجوهرية الواحدة للطبيعة الإلهية.

بحسب القديس غريغوريوس بشكل خاص واللاهوت الأرثوذكسي بشكل عام، فإنه يوجد تمايز ما بين الطبيعة والأقانيم والقدرة الإلهية. وهكذا فإن الروح القدس كأقنوم ينبثق منذ الأزل من الآب ويستقر في الابن، ولكنه يحلّ كنعمة وكقدرة من كليهما أيضاً (الآب والابن). ولو أن نعمة الروح القدس موحَّدة مع أقنوم الروح القدس، كما يدعي اللّاهوت الاجتهادي لصارَ حينها الآباء القديسون المشتركون بالنعمة الإلهية آلهةً بالجوهر ومعادلين للمسيح، كونهم يتحدون اقنومياً مع الروح القدس.

هكذا تعاليم عن الروح القدس والنعمة الإلهية هي تعاليم فاسدة على المستوى الوجودي بأكمله ليس فقط اللاهوتي وإنما أيضاً الأنثربولوجية الكنائسية (أي رؤية الكنيسة لطبيعة الإنسان ودعوته إلى الخلاص والتألُّه).

لذا فإنه في حالة واحدة فقط، أي عندما يكون هناك تمييز واضح ما بين القدرة الإلهية والجوهر الإلهي، فإن هذا التمييز يمكنه وحده أن يوضِّح ورود الروح القدس من الآب، أما عن موضوع إرسال الروح القدس والقدرة والنعمة فهذا من الابن. وحينها يمكننا أن نفهم التعاليم الكتابية للكنيسة بأن المؤمنين يصبحون شركاء الطبيعة الإلهية “اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ.”(2 بط 1: 4). وذلك عندما يشتركون بنعمة الروح القدس التي هي قدرة طبيعية وغير مخلوقة للطبيعة الإلهية.

 ‏ومما سبق يتضح أن أصحاب اللاهوت الاجتهادي بسبب مواقفهم اللاهوتية الخاطئة، يخلطون ما هو أزلي مع التدبير الذي هو عمل الثالوث، وذلك لأنهم ينسِبون ما يقوم به الروح القدس في سرّ التدبير الإلهي ينسبونه إلى جوهر الثالوث الأزلي.

‏إن النعمة الإلهية هي واحدة وهي للأقانيم الثلاثة، لأنها تعود إلى الطبيعة والجوهر الواحد للأقانيم الثلاثة، وإن هذه النعمة تُمنح بطريقة ثالوثية كما هو الحال مع أي قدرة ثالوثية جوهرية أخرى لله. ولكن ماذا يحدث عندما تعمل هذه النعمة الإلهية الواحدة عينها من أجل خلاص البشر وتأليههم؟ ألا تؤدي هذه النعمة باعتبارها لله الثالوث بأكمله إلى تعطيل الدور الوظيفي للأقانيم الثلاثة؟ كلا، إنها لا تعطل دورهم الوظيفي كونها لا تعطِّل الدور الوظيفي لباقي القدرات الإلهية عن إتمام عمل الأقنوم الخاص.

 وفي هذه الحالة فإن مَنح النعمة الإلهية من أجل الخلاص والتألُّه هو العمل الأسمى للإله المتجسد، ولهذا السبب فإن العهد الجديد والخدمة اللّيتورجية الكنائسية معاً يؤكدان ذلك، لأن عمل الثالوث هو واحد، كما يقول بولس الرسول: “نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ الآب، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ لِتَكُنْ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ.” (2 كو 13: 14). وهذا ما نقوله في القداس الإلهي.

إن النعمة الإلهية تُعطى وتَظهر في الخليقة والبشر مع ومِن خلال المسيح، أي من خلال عمل المسيح الخلاصي.

الأيكونومس الدكتور إبراهيم دبور

التاريخ: 14/6/2026

Reviews

0 %

User Score

0 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *