توافق نادر كل 33 عامًا.. كيف يتحول الصوم الكبير إلى ‘أوليمبياد’ للروح في زمن الشهوات الرقمية

مقال بقلم: هبه هريمات

في عالمٍ يَسوده ‘حبّ الظهور’ و’هوس الذات’، لعلّ رهبان الصحراء كانوا على حق منذ الأزل؛ في التخلّي، والتنقَّّي، وإعادة البرمجة!

في كل عام، مع بدء انحسار موسم الشتاء، تبدأ الأراضي المقدسة بالتهيئة للدخول إلى موسمٍ أقدم من عصور الإمبراطوريات؛ وهو الصوم الأربعيني. وكوننا نعيش في منطقة تتبع فيها كل ديانة تقويمها الخاص، فإن الصوم الكبير ليس مجرد واجب ديني. إنه انضباط، وتنقية، ودعوة هادئة للتأمل والتروّي في عالمٍ لا ينفك يُطالبنا بالعجلة.

وقد لا يكون الحديث عن زمن الصوم بالمضمون الجديد، بل على الأغلب تضج صفحاتنا على وسائل التواصل بمقالات لا حصر لها عن أهمية هذا الزمن وقدسيته، وضرورة التهيئة للدخول في الصيام وتاريخه وأسبابه، فليس من الحكمة ادعاء مقدرتي على منافسة الآباء والضالعين في روحانية هذا الزمن وترسخه في المسيحية أكثرَ من أي شيءٍ آخر؛ لذا اختياري لجانبٍ أكثر عصرية وقرباً لمستوى خبراتي يتوازى مع زمنٍ أقل ما يقال فيه أنه محكومٌ بالآنية والسطوة التكنولوجية على عقولنا والذي، ومع الأسف، أخذ من انعدام الرغبة بالقراءة ركيزةً له، واستعاض عنها بفيديو ذي 15 ثانية على التيك توك لبناء الوعي والإدراك.

وفي إطار بحثي عن زاويةٍ لمقالي، لفتَ انتباهي أن هذا ليس مجرد فصل ربيع عادي آخر في المدينة المقدسة أو في منطقتنا الشرق أوسطية. نحن نعيش حالياً ما يشابه الازدحام المروري الفلكي. فبين كل 30 إلى 33 عام تتوافق تقاويم الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى في العالم بطريقة تجعلها تتلاقى في زمن واحد وموسم مقدس واحد، على مائدة طعام بأطباق قد تختلف عن نظيراتها بعض الشيء.

23 فبراير هو اليوم الأول هذا العام لبدء الصوم الأربعيني في العالم المسيحي الأرثوذكسي أو ما يُعرف كنسياً باسم الاثنين النظيف، وهو بداية ماراثون الصوم الكبير الذي يستمر ما يقارب ثمانية وأربعين يومًا وينتهي بأحد القيامة. في الوقت ذاته، نجد أن المجتمع الإسلامي قد بدأ بالفعل بإحياء شعائر شهر رمضان، كما أن المجتمع اليهودي سيبدأ قريباً بالتحضير لاحتفالات عيد البوريم وعيد الفصح (الخروج).

وبينما تغرق حساباتنا على الفيسبوك والانستاغرام بمحتويات لا حصر لها ومؤثرين يتدعون اكتشاف الوصفة الأسطورية ”لتنقية الجسم“ أو ”العصير السحري للتخلص من السموم“ تحت ما يسمى بال”detox“، فإن رهبان صحراء يهودا الأرثوذكسيون قد سبقوهم لطقوس التخلص الفعلي من السموم منذ ما يقرب من ألفي عام.
لا لحوم، لا ألبان، لا أسماك.. نحن لا نتحدث فقط عن التخلي – بكامل إرادتنا – عن متعة تناول برجر أو قطعة شوكولا لما يزيد عن 40 يومًا. الصوم الكبير هو ما يُمكن تسميته ماراثون نباتي قبل أن تصبح “النباتية” أسلوب حياة رائج. إنه ”تنظيف“ حرفي للروح قبل الجسد، وفرض سيادة النفس على وهن الرّغبة والاستسلام للغريزة. في التقليد الأرثوذكسي، يمثل الصوم الأربعين يومًا التي قضاها السّيد المسيح في البرية وهو يجربه الشيطان. المسيح قد نجح وتغلب بالفعل على إغواءات الشيطان الأرضية؛ ولكن هل سنتمكن نحن أيضاً من التغلب على شهواتنا وهي أمست في متناول أيدينا؟! فاليوم قد لا تتم تجربتنا في صحراء أو برّية، فالشهوة تحيط بنا من كل حدب وصوب وفي وضح النهار أيضاً، ومع اجتياح العصر الرقمي لمنازلنا وأسّرتنا، اختّلت موازين حُكمنا على الأمور. فبين انعدام الضوابط، وتخفيض تسعيرة الضريبة الأخلاقية، وارتكاب المعصية أصبحَ مجردَ “وجهة نظر”، أضحت مبادئنا وعقيدتنا في مهب الريح. فمن سينقذنا من أنفسنا؟

في كنيستنا الشرقية إذا صُمنا عن الطعام فقط فصيامُنا ناقص. صيامنا الحقيقي والأكثرُ وَقعاً وأشد تأثيراً، من وجهة نظري، قد يكمن في تحكمنا في “شهواتنا“، تلك هي المنافسة الحقيقية والتحدي الأكبر، وقد قيل “إنما الشديدُ الذي يملك نفسه عند الغضب”. ولكن أليس من الممتع أيضاً حين ننافس في “أوليمبياد الظفر بالأبدية” أن يكون خصمنا على نفس القدر من التحد والجاهزية، ليعلمنا التواضع بعض الشيء ويذكرنا أننا مهما ارتفعنا وقاربنا النجوم، فهناك من هو أعلى منا، وأحكم منا، وأبعدُ بصيرةً منا، والأهم من هذا كله؛ أكثر حباً لأنفسنا منا!
الصوم الكبير هو في الواقع درس متقدم في الوصول للسلام الداخلي وتنمية الصحة العقلية! ومن المثير للاهتمام أن العلم قد بدأ أخيرًا بالالتحاق بعجلة المعرفة الرهبانية التي تعود لعقودٍ خلت. فقد ثبت أن الصيام المتقطع والنظام الغذائي النباتي (الغني بالبقوليات والمكسرات والخضروات) يقللان الالتهاب ويزيلان ”ضبابية الدماغ“. وأنا أضيف وأعلق: صيامنا لا يُزيل ضبابية الدماغ فحسب، بل يزيل ضبابية القلب ويُغربل مرآة النفس!

ربما النظرة الحديثة لما يُعرف ب ”ثقافة الصحة“ ليست دقيقة. قد لا يتعلق الأمر بإضافة المزيد من المكملات الغذائية أو تمارين الجلوتس الرياضية أو الخطوات الخمس للحصول على بشرة زجاجية. ربما يتعلق الأمر أكثر بما يمكننا التخلي عنه. وقد يكون أجمل ما يمكن أن نتزين به هو ضميرٌ نقي وعقلٌ منضبط. رحلة الأربعين يومًا هي رحلة شاقة وليست لضعفاء القلوب، هي رحلة لاكتشاف أنه عندما نتخلص من كل شيء، يتبقى لنا الشيء الوحيد الذي يهم حقًا: الأمل!

وفي هذا المكان، خلال هذا التوافق النادر والمقدس، سنصادف قريبًا مدينة لم تمّل يوماً من الأمل، ولم تتخلَ عنه، فتجدُ التوافق بطريقتها الخاصة جدًا. ستمر بجوار مقهى في الحي المسيحي للمدينة القديمة وترى راهباً أرثوذكسياً يحتسي فنجان قهوة “سادّة”، بينما يجلس بجانبه صاحب متجر مُسلم ينتظر بفارغ الصبر غروب الشمس ليُفطر، ومقابلهم يجلس طالبُ جامعةٍ يهودي يناقش مع أصدقاءه سيدر الفصح.
قد تختلف اللّغات، وطرق العبادة، وأساليب الصوم؛ إلا أن هناك مفردات مشتركة للتضحية. سواء كانت “ماتزا” الفطير غير المختمر لعيد الفصح اليهودي، أو وجبة الإفطار عند غروب الشمس وآذان الإمام، أو حساء الفاصوليا على مائدة عشاءٍ متواضعة، فهذا اعترافٌ جماعي بأن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، وأننا جميعًا نتوق إلى شيء أعمق من مجرد لائحة طعام.

هذا التوافق الذي يحدث كل 33 عامًا ما هو إلا هدية نادرة، بل هو دفعة كونية ليخبرنا أنه على الرغم من اختلاف عقائدنا، فإن جوعنا إلى شيءِ أعظم من ذواتنا هو نفسه. ففي النهاية، نحن لا نصوم لإرضاءِ الناس أو لنيل موافقتهم أو لنكون جزءاً من “جروب الصائمين” على الواتساب؛ بل نصومُ لأجل الخالق، لنذوب فيه، وقد نظفر برجاءِه المُعزّي!

Reviews

100 %

User Score

2 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *