برحمَّةِ الله؛كلمةُ أبينا صاحبِ الغبطةِ بطريركِ المدينةِ المقدَّسةِ أورشليمَ وسائرِ أعمالِ فلسطينَ والأردنَ كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالثِ الجزيلِ الإحترا
أيها المشيعون الكِرام ؛
أبنائي وبناتي المحبوبون في الرَّبِّ القائمِ من بين الأموات،
في هذا الحدث الأليم، يصدحُ نشيدُ الغلبةِ في سماءِ الكنيسة، ابتهاجًا بشهداءٍ جُدُدٍ للمسيحِ يسوع، القائمِ من بين الأموات، الذي يُعانقهم بحنانه، ناقلًا إيّاهم إلى الحياة الأبديّة، ومانحًا إيّاهم سلطانَ الموت، ليصيرَ الموتُ فيهم حياةً، كما في سيِّدهم.
ففي حضرةِ الموت، نقفُ معًا مثقلين بألمِ الفقد، ولكنّنا لا نقفُ بلا رجاء؛ فنحن أبناءُ المسيحِ المصلوبِ والقائمِ من بين الأموات. وإذ نسألُ الرّوحَ القُدُس، المُعزّي الصالح، أن يُعضِّدَ قلوبَنا جميعًا، نرفعُ أنظارَنا إلى ربِّنا يسوعَ المسيح، الذي دخلَ إلى أعماقِ آلامِنا، وحملَ صليبَنا، واجتازَ الموتَ بقيامتِه، فاتحًا لنا أبوابَ الحياةِ الأبديّة.
أبنائي وبناتي، نؤمنُ بعمقٍ، ونُدركُ أنّنا لا ننظرُ إلى الموتِ بعيونِ العالمِ الزائلة، بل في نورِ ذاك الذي تألّمَ وصُلِبَ ومات، ثمّ قامَ غالبًا الموتَ وكاسرًا سلطانَه. ففي صليبِه نرى عمقَ الألم، وفي قيامتِه نُعاينُ مجدَ الحياة، وفي حضرتِه نجدُ التعزيةَ التي لا تستطيعُ الكلماتُ أن تُعبِّرَ عنها. نحن أبناءُ الرجاءِ، لا لأنّنا لا نتألّم، بل لأنّنا نؤمنُ أنّ الموتَ، مهما اشتدَّ وجعُه، ليس الكلمةَ الأخيرة؛ فالمسيحُ هو القيامةُ والحياة، وفيه لا يضيعُ رجاءُ المؤمنين.
أبنائي وبَناتي الأحبّاء، نحن معكم في وجعِكم، نحملُ أسماءَ شهدائِنا في قلوبِنا، ونرفعُ ذكراهم وصلواتِنا من أجلِهم دومًا أمامَ مذبحِ القبرِ المقدَّس، حيث يشهدُ القبرُ الفارغُ أنّ الموتَ لم ينتصر، وأنّ القيامةَ هي وعدُ اللهِ بالحياة. نُودِعُهم بين يدَيِ الرَّبّ، ونُصلّي أن يغمُرَ عائلاتِهم بتعزيتِه، ويمنحَ قلوبَهم الثباتَ في ساعةِ الحزن؛ فأنتم لستم وحدَكم، بل أنتم في قلبِ الكنيسةِ وصلاتِها، وفي حضرةِ الرَّبِّ الذي لا يتركُ أبناءَه في وادي الألم.
أيُّها الأحبّاء،
في حضرةِ هذا الألم، أقفُ رافعًا عينَيَّ إلى العلاء، وأُعلنُ بلسانِ الكنيسة، التي تتألّمُ لآلامِكم وتُشاركُكم وجعَكم، أنّ مَن ظنَّ أنّنا، نحن أبناءَ هذا البلد، خائفون، أو أنّ سلوكًا لا يليقُ بكرامةِ الإنسان، كالإرهاب، يستطيعُ أن يزرعَ الخوفَ في قلوبِنا أو ينالَ من انتمائِنا إلى هذه الأرض، فقد أخطأ.
فنقولُ لهم، بصوتٍ يعلو إلى آفاقِ السماء: لسنا نحن الغرباءَ عن هذه الأرض، بل أنتم الغرباءُ بفكرِكم عنها؛ فلسنا عابرين في تاريخِها، بل نحن جذورُها الراسخةُ في ترابِها. وهذا ما يُدركُه كلُّ أردنيٍّ حرّ، يعرفُ أنّ مصيرَنا متشابكٌ مع تاريخِ هذه الأرض، وأنّ مَن لم يقرأْ تاريخَها بإنصافٍ، أظلمَ فكرُه وقلبُه عن حقيقتِها.
هذا الأردنُّ الذي تقدَّسَ بدماءِ الذين آمنوا ببركتِه، تتجدّدُ اليومَ بركتُه بدماءِ أبنائِنا وإخوتِنا. وهذا وطنُنا، بيتٌ واحدٌ يجمعُنا مسيحيّين ومسلمين، وتربطُنا به جذورٌ ضاربةٌ في التاريخ، وأخوّةٌ أصيلةٌ لا تنالُ منها يدُ الإرهاب، ولا تُمزّقُها محاولاتُ الفتنة. وسنبقى على هذه الأرضِ راسخينَ رسوخَ جذورِنا في ترابِها، ثابتينَ في إيمانِنا، متمسّكينَ بوحدتِنا، أوفياءَ لوطنِنا، أمناءَ للانتماءِ الذي ورثناه عن آبائِنا وأجدادِنا، وللأمانةِ التي تسلّمناها منهم، أمانةِ الإيمانِ والمحبّةِ والوفاءِ لهذه الأرض، لنُسلّمَها إلى أبنائِنا والأجيالِ الآتية، ونورّثَهم وطنًا تُصانُ فيه كرامةُ الإنسان، وتسودُه المحبّةُ والأخوّة، ويُظلّلُه الأمنُ والسلام.
ومن هنا، نؤكّدُ التفافَنا حولَ قيادتِنا الهاشميّة، بقيادةِ حضرةِ صاحبِ الجلالةِ الهاشميّةِ الملكِ عبدِ اللهِ الثاني ابنِ الحسين، حفظَه اللهُ ورعاه. لقد كان حضورُ جلالتِه بين المصابين واطمئنانُه عليهم صورةً ناطقةً بأبوّةِ القائدِ ومسؤوليّتِه، وخطابًا إنسانيًّا بليغًا اجتمعَ فيه وجعُ الأبِ على أبنائِه وعزمُ القائدِ على صونِ وطنِه وكرامةِ شعبِه. وإذ نعتزُّ بسموِّ وليِّ العهد، ونُثمّنُ جهودَ جيشِنا العربيِّ الباسلِ وأجهزتِنا الأمنيّة، نؤكّدُ أنّ تلاحمَ الأردنيّين والتفافَهم حولَ قيادتِهم ووحدتِهم الوطنيّة هو سياجُ الوطنِ المنيع، وأنّ الأردنَّ، بإيمانِ أبنائِه وأصالةِ عشائرِه، سيبقى عصيًّا على الفتنةِ والانقسام.
ونحن، من هذا الموقعِ الذي ارتوت أرضُه بدماءِ أبنائِنا الشهداءِ، نرفعُ صوتَنا مُدينين هذا العملَ الإرهابيَّ الآثم، الذي لا يمتُّ بصلةٍ إلى أصالةِ أردنِّنا، ولا إلى قيمِ شعبِه، ولا إلى ما يجمعُ أبناءَه، مسيحيّين ومسلمين، من أُخوّةٍ راسخةٍ وعيشٍ مشتركٍ صاغتْهُ قرونٌ من التاريخِ والمحبّةِ والمصيرِ الواحد. وإنّنا، إذ نرفضُ أن تبقى هذه الجريمةُ دونَ حساب، نتقدّمُ بجزيلِ الشكرِ والتقديرِ لجيشِنا العربيِّ الباسلِ وأجهزتِنا الأمنيّة، مثمّنين جهودَهم الكبيرةَ ومسؤوليّتَهم الوطنيّةَ العاليةَ، وما أبدوه من يقظةٍ وحرصٍ في إلقاءِ القبضِ على مرتكبي هذه الجريمة، ونتطلّعُ إلى أن تأخذَ العدالةُ مجراها، وأن يمثُلَ مرتكبو هذا الفعلِ الإجراميِّ أمامَ القضاء، لينالوا جزاءَهم العادل، صونًا لكرامةِ الإنسان، وحفظًا لأمنِ وطنِنا وسلامةِ أبنائِه.
وإذ نُعزّي أنفسَنا، ونعزّي قائدَ مسيرتِنا بهذا المصابِ الجلل، نضمُّ صوتَنا إلى أنينِ العائلاتِ التي أثقلَ الحزنُ قلوبَها، ونحملُ إليها تعزياتِنا الأبويّةَ ومحبّتَنا وصلواتِنا، سائلينَ الرَّبَّ أن يسكبَ في قلوبِها سلامَه الذي يفوقُ كلَّ عقل، وأن يُعضِّدَها بقوّةِ قيامتِه ورجاءِ الحياةِ الأبديّة.
ونبتهلُ إلى الرَّبِّ، طبيبِ النفوسِ والأجساد، أن يفتقدَ برحمتِه جرحانا الراقدينَ على أسرّةِ الشفاء، وأن يمدَّ يدَهُ المُحييةَ ليُبلسمَ جراحَهم، ويُعيدَ إليهم العافيةَ والقوّة، ويملأَ قلوبَهم وعائلاتِهم بسلامِه وتعزياتِ روحِه القدّوس، وبفرحِ قيامتِه البهيّ.
أيُّها الأحبّاءُ والمشيّعونَ الكرام،
اليومَ، من كنيسة القيامة، نرفعُ صلواتِنا من أجلِ أبنائِنا الشهداءِ، مستمطرينَ عليهم مراحمَ اللهِ وغفرانَه. وإذ نُودِعُهم على رجاءِ القيامةِ والحياةِ الأبديّة، نرفعُ قلوبَنا إلى ربِّنا يسوعَ المسيح، الغالبِ الموتَ وواهبِ الحياة، سائلينَه أن يُنيحَ نفوسَهم في مساكنِ الأبرار، ويُقيمَهم في مصافِّ القدّيسين، ويحتضنَهم في نورِ وجهِه الإلهيّ، حيثُ لا وجعَ ولا حزنَ ولا تنهُّد، بل حياةٌ لا تفنى، وأن يجعلَ ذكراهم حيّةً في قلبِ كنيستِه، وشهادتَهم أمانةً نحفظُها بالمحبّةِ والإيمان.
فليكنْ ذِكرُهم مؤبّدًا. آمين.
القدس الشريف في 25 تشرين الأول 2026
الداعي لبنوتِكم بالتعزيةِ الإلهية
ثيوفيلوس الثالث
بطريرك المدينة اوراشليم وسائر اعمال فلسطين والأُردن











