من المغطس إلى العالم… جامعةٌ لا تُبنى بالحجارة فقط، بل بالفكر والرّسالة
بقلم:سالم مسيح
في زمنٍ تتسارع فيه التّحوّلاتُ الفكريّة والدّينيّةُ والثّقافيّة، وتواجهُ فيه المسيحيّةُ الشّرقيّةُ تحدّياتٍ عميقة تتعلّق بالهوّيّة والحضور والدّور، يأتي تأسيسُ جامعةِ المغطسِالأرثوذكسيّة الدّوليّة كحدثٍ يتجاوز بكثير فكرةَ إنشاء مؤسّسةٍ تعليميّة جديدة. نحن أمام مشروع يحمل أبعادًا لاهوتيّة، وفكريّة، ووطنيّة، وحضاريّة، وقد يشكّل نقطةَ تحوّلٍحقيقيّة في مستقبل الحضور الأرثوذكسيّ في الشّرق.
لا تكمن أهمّيّة هذه الجامعة فقط في اسمِها أو موقعِها، بل في الرّسالة التي تحملُها. فأن تُقامَ جامعةٌ أرثوذكسيّةٌ دوليّةٌقرب موقع معموديّة السّيّد المسيح في نهر الأردنّ، فهذا يمنح المشروعَ بعدًا رمزيًّا وروحيًّا استثنائيًّا. فالمغطس ليس مجرّد موقع أثريّ أو دينيّ، بل من حيث انطلقت بدايةُالخدمةِ العلنيّةِ للمسيح، ومنه انفتح بُعدٌ جديد في علاقة الإنسان بالله. لذلك فانطلاقُ مشروع أكاديميّ وفكريّ من هذه الأرض يحمل رسالة واضحة: ما زال الشّرق المسيحيُّقادرًا على أن يُنتج فكرًا، وأن يقدّمَ حضارة، وأن يخاطب العالم بلغةِ العلم والإيمان معًا.
لطالما عانى الشّرق الأرثوذكسيُّ من مشكلة حقيقيّة تتمثّل في ضعف المؤسّسات الفكريّة الكبرى القادرة على إنتاج خطاب أكاديميٍّ معاصر يحافظ على الأصالة دون أن ينعزل عن العصر. فكثيرٌ من الشّباب يمتلكون الإيمان، لكنّهم يفتقدون المساحاتِ التي تساعدهم على فهم هوّيّتهم الرّوحيّة والفكريّة بطريقة عميقة ومقنعة. وهنا تظهر أهمّيّة الجامعة، ليس كمكان لمنح الشّهادات فقط، بل كمركز لصناعة الوعي، وإعداد الباحثين، وخلق جيلٍ جديد قادر على الدّفاع عن الإيمان بالفكر والمعرفة، لا بالشّعارات والانفعالات فقط.
كما يحملُ المشروعُ أهمّيّةً حضاريّةً كبيرة للأردنّ نفسه. فالأردنّ لم يعد فقط محطّةَ حجٍّ دينيّ، بل يتحوّل تدريجًا إلى مركزٍ عالميّ للحوار والثّقافة والوجود المسيحيّ المشرقيّالمعتدل. وهذه الجامعة تضيف بُعدًا جديدًا لهذا الدّور، لأنّها تربط بين قداسة المكان وقوّةِ المعرفة. فالعالم اليوم لا يحترم المجتمعاتِ التي تكتفي بحفظ التّاريخ، بل المجتمعاتِالقادرة على تحويل تاريخِها إلى مشروعٍ حيٍّ يصنع المستقبل.
ومن النّاحية الكنسيّة، فإنّ وجود جامعةٍ أرثوذكسيّة دوليّة بهذا المستوى يشكّل رسالة قويّة جدًّا بأنّ الكنيسة الأرثوذكسيّةَ ليست كنيسة منغلقة على الماضي، بل كنيسةًحيّةً قادرة على الدّخول إلى العالم الأكاديمي والثّقافي بثقة. فالكنيسة التي تؤسّس جامعات، وتنتج مفكّرينَوباحثين، وتحضَرُ في ميادين الحوار والمعرفة، هي كنيسةٌتعرف جيّدًا كيف تحافظ على رسالتِها وسط عالم متغيّر.
ما يحدث اليوم في المغطس ليس تفصيلًا عابرًا، بل خطوةًتؤسّس لمرحلةٍ جديدة بالكامل في تاريخ الحضور الأرثوذكسيّ في المنطقة. وربما الأجمل في كلّ ذلك، أنّ هذا المشروع لا يولَد في مكان بعيد عن جذور المسيحيّةِ، بل من قلب الأردنّ، ومن ضفّة نهر الأردنّ الشّرقيّةِ الذي شهد لحظة المعموديّة، وكأنّ الرّسالة تعود لتبدأ من جديد … من الماء، ومن النّور، ومن هذه الأرض المبارَكة.











