كأسُ الظّلم وحتميّةُ الإشراقِ الإلهي
بقلم أبونا الايبذياكون ماكسيموس الصنّاع
كأسُ الظّلم وحتميّةُ الإشراقِ الإلهي بقلم أبونا الإيبوذياكون ماكسيموس الصنّاع لكي نغوصَ في أعماق العناية الإلهيّة ونفهمَ كيف يتعامل الله مع أنين المظلومين، تقودُنا التّأمّلات إلى سيرة القدّيس مكاريوس المصري الكبير. يُحكى أنّه في زمان شبابه، هرب من قبول سرّ الكهنوت طلبًا للوحدة والهدوء، وهناك سقطت فتاةٌ بتول في خطيئة الزّنى، ولما افتُضح أمرُها، أشارت بظلم قاهرٍ نحو النّاسك البارّ مدّعية أنّه الفاعل. سحب أهل الضيعة القدّيس باستهزاء مريع، وشهّروا به في الشّوارع، يضربونه ضربًا مبرِّحًا وهم يصرخون: “هذا الرّاهب أفسد عفّة ابنتَنا”. لم يفتح القدّيس فاه بكلمة دفاع، بل ابتلع مرارة الافتراء بصمتٍ (إشعياء 53: 7). ولم يطلقوه حتى تعهّد بإطعام الفتاة، فعاد مكاريوس إلى قلّايته ممزّقَ الجسد لكنّ روحَه كانت في سماء التّواضع، فبات يشتغل ليل نهار ليرسل لها ثمرةَ تعبه قائلاً لنفسه: “كِدَّ يا مكاريوس، فقد صارت لك امرأةٌ وعليك إعالتها”. لكن العناية الإلهيّة لا تغفل عن المظلومين، فالحقُّ كالشّمس لا يستتر للأبد (مزمور 37: 6). حين حان وقت ولادة الفتاة، تعسّرت ولادتُها أيّامًا طويلة وقاست آلامًا تفوق الوصف، ولم تستطع أن تلد حتى صرخت أمام الجميع معترفةً بأنّها ظلمتِ المتوحّدَ واتّهمته بالباطل. فانقلب الغضب إلى توبة، وأسرع الجميع إليه طالبين الصّفح، لكنّ القدّيسَ هرب إلى برّيّة الإسقيط، تاركًا مجدَ النّاس ليحتفظ بمجد الله. ما أشدَّ قسوةَ الظّلم على النّفس البشريّة؛ فهو سيف يمزّق الوجدان ويجعل القلب يذوق مرارة العلقم، وهو من أثقل الصّلبان التي يحملُها الإنسان (1 بطرس 2: 19). إن طعم الظّلم مرٌّ، يضرب في صميم الشّعور بالعدالة ويورث العزلة. وأمام قسوة هذا الشّعور، يُبرِزُ لنا الإيمانُ الأرثوذكسيُّ طريقًا نورانيًّا لاحتمال التّجربة؛ إذ حوّل القدّيس مكاريوس هذه المرارةَ إلى ذبيحةِ حبٍّ وصمت، مؤمنًا أنّ ليل الظّلم مهما طال لابد أن يبدّدَه فجر الحقّ، لأنّ الله هو الدّيّان العادل (مزمور 11: 7) الذي يتأنّى ليعطي زمانًا للتّوبة (2 بطرس 3: 9). إن كانتِ النّفوس اليومَ تئنّ من وطأة الافتراء، فلتنظر إلى قصّة القدّيس مكاريوس. إنّ الحقَّ الإلهيَّ يعمل في الخفاء، وهو آتٍ لا محالة، لأنّ الله لا يترك عصا الأشرار تستقرُّ على نصيب الصّدّيقين (مزمور 125: 3). قد يعجز الكلام عن وصفِ مرارةِ الظّلم التي تكسر نياطَ القلب، لكنّ المظلومين ليسوا متروكين في أتون التّجربة. فكلُّ دمعةِ قهرٍ تُذرَف في الخفاء هي لؤلؤة محفوظة في سماء المجد. قد لا أشعر تمامًا بحجم معاناتكم أو تفاصيل أوجاعكم، ولكنّني أُقدّر مشاعركم بصدقٍ وعمق. إن مرارة الظّلم تكسر نياط القلب وتثقل الرّوح بشكل لا تصفه الكلمات. أضع هذه الحروف لتكون بلسم تعزية يلامس نفوسَكم المتعبَة، لتعلموا أنّكم لستم متروكين. إنّ دماءَ القلوب المكلومةِ محفورةٌ في كفوف المسيح الذي صُلب عنّا ومات وقام من بين الأموات في اليوم الثّالث، وأنّ نور القيامة لا بدّ أن يعقب ظلام الجلجثة.











