القدّيسةُ مريمُ المصريّة: لاهوتُ التّوبة في الأحد الخامس من الصّومِ الأربعيني المقدّس

في الأحدِ الخامسِ من الصّوم الأربعيني المقدّس، تضعُ الكنيسة الأرثوذكسيّة أمامنا سيرةَ القدّيسة مريم المصريّة، لا كقصّةٍ أخلاقيّةٍ فحسب، بل كإعلانٍ لاهوتي عميق عن سرّ التّوبة بوصفها تحوُّلًا أنطولوجيًّا في كيان الإنسان. فالتّوبة في المفهوم الأرثوذكسي ليست مجرّد ندمٍ نفسيّ أو تعديلِ سلوكٍ، بل عودةُ الكيان البشري بأسرِه إلى شركتِه الأصليّةِ مع الله، أي استعادة صورةِ الله في الإنسان وتوجيهِها نحو شبهِه ومثالِه.
إنَ حياةَ القدّيسة مريم المصريّة قبل التّوبة تمثّلُ حالة “الإنسانِ في السّقوط ” الذي يعيش في انفصالٍ عن الله، حيث تتحوّلُ الحرّيّة إلى عبودية، والجسدُ إلى أداةِ انغلاق على الذّات بدل أن يكون هيكلًا للرّوح القدس. هذا الانفصالُ ليس مجرّد خطيئةٍ أخلاقيّة، بل هو حالةٌ وجوديّةٌ من الاغتراب عن مصدر الحياة. ومن هنا نفهم لماذا عجِزت عن دخول كنيسة القيامة: لم يكن الحاجز خارجيًّا فقط، بل كان انعكاسًا لحقيقةٍ داخليّة، حيث لا يستطيعُ الإنسان أن يدخل إلى سرّ الحياة الجديدةِ وهو لا يزال متمسّكًا بالموت الرّوحي.
لحظةُ انكسارِها أمام أيقونة والدة الإله تمثّل بدايةَ فعلِ النّعمة في حياتها، حيث التقت الإرادةُ البشريّة مع المبادرة الإلهيّة. فالله هو الذي يدعو ويمنحُ النّعمة، لكنّ الإنسان مدعوٌّ أن يستجيب بحرّيّة. في هذا اللّقاء، تتحقّق جدليّةُ الخلاص الأرثوذكسيّة، أي التّعاون بين النّعمة والإرادة. وهنا تبدأ القدّيسة مريم المصريّة مسيرةَ “العبور” الشّخصيّة، من الموت إلى الحياة، من الفساد إلى عدم الفساد.
خروجُها إلى البرّيّةِ ليس هروبًا من العالم، بل دخولًا إلى مختبرٍ روحيٍّ حيث يُصلَب الإنسانُ العتيق. البرّيّة في اللاهوت الآبائي هي مكانُ المواجهة مع الذّات ومع الله، حيث تُنقّى الحواسُّ وتُشفى الإرادة. صراعُها الطّويل مع الشّهوات يعبّر عن عمليّة التّطهير، التي تسبق الاستنارة وتؤدّي في النّهاية إلى التّألُّه . وهنا نرى أنّ القداسة ليست حدثًا لحظيًّا، بل مسيرةَ جهادٍ مستمرّ، تتغلغل فيها النّعمة تدريجيًّا في كلّ أبعاد الكيان الإنساني.
لقاؤها مع القدّيس زوسيما يكشف عن ثمرة هذا الجهاد: إنسانٌ متألِّه بالنّعمة، تجاوزَ حدودَ الطّبيعة السّاقطة، وصار شاهدًا حيًّا على قوّة الله. فالقدّيسة مريم المصريّة لم تعد فقط “تائبة”، بل صارت أيقونةً للإنسان الجديد، الذي استعاد انسجامَه الدّاخلي، واتّحد بالله في محبّة نقيّة. وهنا يظهر البُعد الكنسيُّ في حياتِها، إذ أنّ اشتراكَها في الأسرار، خاصّة الإفخارستيّا، يعلن أنّ التّألُّه لا يتحقّق الا داخلَ جسد المسيح، أي الكنيسة.
اختيارُ الكنيسةِ لهذه السّيرة في هذا التّوقيت من الصّوم يحمل بُعدًا رعائيًّا ولاهوتيًّا عميقًا. ففي نهاية المسيرة النّسكيّة، قد يواجه الإنسانُ تجربةَ اليأس أو الفتور، فتأتي القدّيسةُ مريم المصريّة شاهدٌ حيٌّ بأنّ رحمة الله أقوى من أية خطيئة، ولا سقوط أعمق من أن ترفعَه النّعمة. إنّها إعلانٌ أنّ الخلاصَ ليس مكافأةً للأبرار، بل عطيّةً تُمنح للتّائبين.
في ضوء هذه السّيرة، يتحوّلُ الأحد الخامس من الصّوم الأربعينيّ المقدّس إلى دعوة وجوديّةٍ لكلّ مؤمن: أن يدخل في خبرة التّوبة الحقيقيّة، لا كواجبٍ دينيّ، بل كمسارِ حياة. فالمسيحيّة الأرثوذكسيّةُ لا تدعو إلى تحسين الإنسان، بل إلى خلقِه من جديد في المسيح. وهنا تكمن عظمَةُ هذه القدّيسة : أنّها تذكِّرنا أنّ القداسة ليست حكرًا على النُّخبة، بل هي دعوةٌ مفتوحةٌ لكلِّ إنسانٍ يجرؤ أن يقول “نعم” للنّعمة، ويسيرُ في طريق الصّليبِ نحو القيامة

Reviews

100 %

User Score

2 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *