اّلصومُ المُرتَجى


ناصر الياس الخوري

الصّوم الأربعيني المقدّس في خبرة الكنيسة جوعٌ إلى الله وعطشٌ إليه. هو مسيرةٌ روحيّةٍفي برّيّة القلب، حيث يلتقي الإنسانُ بخطاياه وهشاشةِ كيانِه ويصغي إلى الهمسِالإلهي الدّاخلي الذي طالما غطّته ضوضاءُ الحياة. إنّه الأربعون يومًا الذي تستعيد في ذاكرة الكنيسة صومَ الرّبّ يسوع في البرّيّة حيث دخل السّيّدُ إلى عمق الجوع الإنسانيّ ليحوّلَه إلى شبعٍ من كلمة الله وارتواءٍ بحضور الرّوح الإلهي.

في التّقليد الأرثوذكسي، يتجاوز الصّومُ مجرّدَ الامتناع عن الطّعام، ليصيرَ مدرسة للتّوبة، ومختبَرًا للحرّيّة الدّاخليّة. فالكنيسة، منذ القرون الأولى، رأت في الأربعينَ رقمًا مشبَعًا بالرّمزيّة الكتابيّة: أربعون يومًا صامها موسى قبل أن يتسلّم الشّريعة، وأربعون سنةً جالَفيها العبرانيّون في البرّيّة، وأربعون يومًا هيّأ خلالها الرّبّ تلاميذَه قبل الصّعود. فالأربعون إذن زمنُ عبورٍ وزمنُ تنقية وزمن عطاء.

الصّومُ ليس هدفًا في ذاتِه، بل وسيلةً لشفاء القلب من أنانيّتِه، ولتحرير النّفس والجسد من استبداد الشّهوة ومن ملهاة الاهتمامات الدّنيويّة المُهلِكة. فقد كان القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم يقول إن الصّوم الحقيقي هو أن نصوم عن الشّرّ وأن نفتحَ أبواب الرّحمة للفقراء. فالجوعُ الجسدي، إن لم يُفضِ إلى تنقية النّفس من أدران الخطيئة والشّرّوالامتلاء من نعمة الرّوح القدس المُحيية، يبقى تمرينًا ناقصًا لا يرقى بالإنسانِ إلى مقاصِد الصّوم الخلاصيّة.

الصّوم الأربعيني يبدأ في الكنيسة الأرثوذكسيّة بمناخٍ تمهيدي، إذ تتقدّم آحاد التّهيئةِالأربعة، فتذكّر المؤمن، أوّلًا وقبل كلّ شيء، بالتّواضع – أحد الفرّيسي والعشّار- مرورًا بضرورة التّوبة بما هي تغييرٌ في الفكر والسّلوك أي العودة إلى أحضان الآب السّماوي –أحدُ الابن الشّاطر- ثم الاهتمامُ بكلّ فقيرٍ ومحتاج كمقياسٍ للمحبّة – أحدّ الدّينونة- ثم لا يستقيم صومٌ بلا غفران ومسامحة فيأتي أحدُ المسامحةِ فيُدخلُ المؤمنَ مَيدان الصّوم بلا ضغينةٍ متصالحًا مع الله ونفسِه والقريب. ثمّ يدخل في بحر الصّوم الكبير، حيث تتكثّف الصّلوات، وتتبدّل ألحان الكنيسة، فيغدو النّغَم حزينًا، لا حزنَ اليأس، بل حزنَ التّوبة المُفرحة. ولعلّ أجملَ صلوات الصّوم هي صلاة القدّيس إفرام السوري ، أيّها الرّبّ وسيّد حياتي أعتقني من روح البطالة والفضول وحبِّ التسلّط والكلام البطّال، وأنعِم عليَّ بروح العفّة واتّضاع الفكر والصّبر والمحبّة، نعم يا ملكي وإلهي هب لي أن أعرف ذنوبي وعيوبي وألا أدين إخوتي فإنّك مبارك إلى أبد الدّهور آمين، وليس من الغُلوِّ القولَ إن هذه الصّلاة المُلهَمَة تكاد تختصر معاني الصّوم ومبتغاه، إذ تنقلُ المؤمنَ من التلّهي بالقشور الخارجيّة لتضعَه في عمق ساحة الجهاد الرّوحيّة، جهادِ النّفسِ ضدَّ أهوائِها وشهواتِها سعيًا إلى الحرّيّة الرّوحيّة الممنوحة لنا في المسيح الظّافر.

إنّ الإمساك عن الأطعمة الحيوانيّة ومشتقّاتِها ليس ازدراءً للمادّة، بل تذكيرٌ بأنّ الإنسان ليس جسدًا فقط، ولا روحًا فقط، بل كيانًا موَحَّدًا مدعوًّا إلى القداسة. إنّ الكنيسة، في حكمتِها، لا تحتقر الجسد أوالمادّة، بل تعلّم أبناءها أن يستخدموا كل شيء بحكمةٍ ومحبّةواعتدال وامتنان، وأن يتحرّروا من عبوديّة الامتلاك، من هنا كان الصّومُ انقطاعًا عن كلّما نشتهي، ذلك أنّ جوهر الصّوم زهدٌ وتقشّفٌ يبتغي تدريب الإرادة على الخضوع إلى إراة الله الخلاصيّة، كما أنّه اهتمام حقيقيٌّ بالفقراء، فقد كان المسيحيّون الأوائل يكتفون بأكل وجبةٍ واحدةٍ ليمنحوا الثّانيةَ للمحتاجين.

على الرّغم من أجواء التّوبة الغامرة في زمن الصّوم، فقد جعلتِ الكنيسة الأحد الأوّلَ من الصّوم أحد الأرثوذكسيّة أي إعلانَ استقامة العقيدة ونبذِ الهرطقات، ذلك أنّ الكنيسة، منذ نشأتها، اعتبرت أنّ الرّوحانيّة القويمةَ هي بنت العقيدة القويمة ، كما أنّه ليس مصادفة أن تعيّد في الأحد الثّاني من الصّوم للقدّيس غريغوريوس بالاماس الذي تبلورت على يديه عقيدةُ النّور الإلهي غير المخلوق، أن يحمل الأحدان الأوّلان من الصّوم تعليمًا عِقَدِيًّا قويمًافهذا يعنى أنّها في مسيرَتِها الرّوحيّةِ تُعلي من شأنِ العقيدة السّليمة لا بل تجعلُها في صدارة حياتها العباديّة في أقدس أصوامِها وأبهاها.  

يبقى الصّوم الأربعيني مدرسةَ إيمانيّةً وجهاديّةً ورحلةَ عبور من دنيا الخطيئة إلى فضاءات البِرِّ والقداسة، هو دعوةٌ لنصيرَ ما قد خُلِقنا لنكونَه: صورةَ الله المتجدّدة في نور القيامة. وفي عالمٍ يضجُّ بالأنا وصخب العالم المادّي والاستهلاك المفرِط ، يجيء الصّوم مسيرةً روحيّةً محرِّرة تذكّرنا بأنّ الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله. صومًا مباركًا.

Reviews

0 %

User Score

0 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *