«العائلة في قلب العدالة»رسالة المحكمة الكنائسية في زمن الصوم

فِي زَمَنِ الصَّوْمِ الْأَرْبَعِينِيِّ الْمُقَدَّسِ، هٰذَا الزَّمَنِ الْمُبَارَكِ الَّذِي تَدْعُونَا فِيهِ الْكَنِيسَةُ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى اللهِ وَتَجْدِيدِ الْعَهْدِ مَعَهُ، نُدْعَى أَنْ نَعِيشَ الصَّوْمَ لَا كَامْتِنَاعٍ خَارِجِيٍّ فَقَطْ، وَلَا كَمُجَرَّدِ تَغْيِيرٍ فِي الْعَادَاتِ، بَلْ كَمَسِيرَةٍ رُوحِيَّةٍ عَمِيقَةٍ مِنَ التَّوْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَالشَّرِكَةِ، نَدْخُلُ مِنْ خِلَالِهَا إِلَى سِرِّ مَوْتِ الْمَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ، وَنَخْتَبِرُ فِيهَا مَعْنَى أَنْ نَكُونَ أَعْضَاءً أَحْيَاءَ فِي جَسَدِهِ الْمُقَدَّسِ. فَالصَّوْمُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ حِرْمَانًا جَسَدِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ انْتِقَالٌ رُوحِيٌّ عَمِيقٌ مِنَ الْفَرْدِيَّةِ إِلَى الشَّرِكَةِ، وَمِنَ الِانْغِلَاقِ إِلَى الْعَلَاقَةِ، وَمِنَ الِانْقِسَامِ إِلَى وَحْدَةِ الْجَسَدِ فِي الْمَسِيحِ.

وَمِنْ هٰذَا الْمُنْطَلَقِ الرُّوحِيِّ لَا يُمْكِنُ لِلْكَنِيسَةِ، بِوَصْفِهَا جَسَدَ الْمَسِيحِ الْحَيَّ وَأُمًّا رُوحِيَّةً تَحْمِلُ أَبْنَاءَهَا فِي قَلْبِهَا وَتَحْتَضِنُهُمْ بِالْمَحَبَّةِ وَالسَّلَامِ، أَنْ تَبْقَى صَامِتَةً أَمَامَ مَا تَتَعَرَّضُ لَهُ الْعَائِلَةُ الْمَسِيحِيَّةُ الْيَوْمَ مِنْ تَصَدُّعَاتٍ وَانْقِسَامَاتٍ تُهَدِّدُ وَحْدَتَهَا وَكِيَانَهَا وَرِسَالَتَهَا. فَالْعَائِلَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِطَارٍ اجْتِمَاعِيٍّ يَجْمَعُ أَفْرَادًا تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ، بَلْ هِيَ كَنِيسَةٌ صَغِيرَةٌ، وَالْمَكَانُ الْأَوَّلُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ الْإِيمَانُ، وَيَتَشَكَّلُ فِيهِ ضَمِيرُ الْإِنْسَانِ، وَتُصَاغُ فِيهِ الشَّهَادَةُ الْحَيَّةُ لِلْمَسِيحِ فِي الْعَالَمِ.

وَلِهٰذَا، أُكرِرُ بِمحَبَّةٍ وَمِنْ مَوْقِعِ الْمَسْؤُولِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ وَالرِّعَائِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُنَا كَأَعْضَاءٍ فِي جَسَدِ الْمَسِيحِ، أُنَاشِدُكُمْ بِمَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ وَقَلْبٍ أَبَوِيٍّ مُشْفِقٍ، إِذْ نَرَى فِي مَحَاكِمِنَا الْكَنَسِيَّةِ الْيَوْمَ ثِمَارًا مُؤْلِمَةً لِتَفَكُّكِ الْعَائِلَاتِ، وَنَلْمَسُ آثَارَ هٰذَا التَّفَكُّكِ فِي الِابْتِعَادِ عَنِ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ الْحَقَّةِ، وَفِي ضَعْفِ التَّرْبِيَةِ، وَغِيَابِ الْحِوَارِ، وَالِانْغِمَاسِ فِي دَهْرَنَةِ الْحَيَاةِ وَعَالَمِيَّتِهَا، وَمَا يَتْبَعُ ذٰلِكَ مِنْ جِرَاحٍ نَفْسِيَّةٍ وَرُوحِيَّةٍ عَمِيقَةٍ تَطَالُ الْأَزْوَاجَ وَالْأَبْنَاءَ مَعًا، وَتَتْرُكُ فِي الْقُلُوبِ آثَارًا مُؤْلِمَةً قَدْ تَمْتَدُّ أَحْيَانًا إِلَى أَجْيَالٍ. وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ أَنَّ عَمَلَ الْكَنِيسَةِ الشِّفَائِيَّ يَبْدَأُ مِنْ شِفَاءِ الْعَائِلَةِ، فَالْعَائِلَةُ الْمَسِيحِيَّةُ مَدْعُوَّةٌ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، أَنْ تَكُونَ مَسَاحَةَ مَحَبَّةٍ وَتَكَامُلٍ، لَا سَاحَةَ صِرَاعٍ وَتَنَازُعٍ، وَأَنْ تُرَبِّيَ أَبْنَاءَهَا عَلَى قَبُولِ الْآخَرِ وَاحْتِرَامِ الِاخْتِلَافِ دَاخِلَ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ، لَا كَتَهْدِيدٍ، بَلْ كَغِنًى وَتَنَوُّعٍ يُغْنِي الْحَيَاةَ وَيُعَمِّقُ الْمَحَبَّةَ. فَالْأَبْنَاءُ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ فِي طُفُولَتِهِمْ كَيْفَ يُصْغُونَ إِلَى بَعْضِهِمْ، وَكَيْفَ يَخْتَلِفُونَ بِمَحَبَّةٍ، وَكَيْفَ يَتَصَالَحُونَ بَدَلَ أَنْ يَتَخَاصَمُوا، هُمْ وَحْدَهُمُ الْقَادِرُونَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى تَأْسِيسِ بُيُوتٍ سَلِيمَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الْحِوَارِ وَالشَّرِكَةِ وَالثِّقَةِ الْمُتَبَادَلَةِ. 

وَلَا يُمْكِنُ فَهْمُ هٰذَا كُلِّهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ حَيَاةِ الشَّرِكَةِ الْكَنَسِيَّةِ وَعَيْشِهَا، فَدَوْرُ الْكَاهِنِ كَرَاعٍ لَيْسَ دَوْرًا طَقْسِيًّا فَقَطْ، بَلْ هُوَ دَوْرٌ رِعَائِيٌّ خَلَاصِيٌّ فِي جَوْهَرِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُؤَدٍّ لِلْخِدْمَةِ، بَلْ عُضْوٌ حَيٌّ فِي حَيَاةِ الْعَائِلَةِ وَالْعَشِيرَةِ مَعًا؛ فَرِعَايَتُهُ لَيْسَتْ وَظِيفَةً، بَلْ مُشَارَكَةٌ فِي الْحَيَاةِ، وَحُضُورُهُ لَيْسَ إِدَارِيًّا، بَلْ حُضُورٌ أَبَوِيٌّ خَلَاصِيٌّ. إِنَّهُ مَدْعُوٌّ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا فِي الْبُيُوتِ، وَفِي الْعَلَاقَاتِ، وَفِي الْأَزَمَاتِ، وَفِي الْأَسْئِلَةِ، وَفِي الصَّمْتِ، وَفِي الْجِرَاحِ أَيْضًا، لِأَنَّ الْكَاهِنَ لَا يَرْعَى أَفْرَادًا مُتَفَرِّقِينَ فَقَطْ، بَلْ يَرْعَى جَسَدًا وَاحِدًا اسْمُهُ: الْعَائِلَةُ وَالْعَشِيرَةُ وَالْكَنِيسَةُ. وَمِنْ هُنَا تَرَى الْكَنِيسَةُ أَنَّ كَاهِنَهَا مَدْعُوٌّ لِمُرَافَقَةِ الْعَائِلَةِ دَوْمًا، لِتَقْدِيسِهَا وَتَثْبِيتِهَا، حَاضِرًا فِي مَسِيرَتِهَا فِي أَفْرَاحِهَا وَأَحْزَانِهَا، فِي نُمُوِّهَا وَضَعْفِهَا، فِي نَجَاحَاتِهَا وَسُقُوطِهَا، لِأَنَّ الرِّعَايَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ رَدَّ فِعْلٍ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ حُضُورٌ دَائِمٌ، وَإِصْغَاءٌ صَبُورٌ، وَمُرَافَقَةٌ رُوحِيَّةٌ تُعِيدُ الْإِنْسَانَ إِلَى ذَاتِهِ، وَتَقُودُهُ مِنْ جَدِيدٍ إِلَى اللهِ فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ.

نَرَى الْيَوْمَ، وَبِأَلَمٍ، كَيْفَ يَنْجَرِفُ بَعْضُ أَبْنَائِنَا وَرَاءَ إِغْرَاءَاتِ الْحَيَاةِ الْمُعَاصِرَةِ، وَيَنْشَغِلُونَ بِتَلْبِيَةِ الِاحْتِيَاجَاتِ الْمَادِّيَّةِ عَلَى حِسَابِ حَيَاتِهِمُ الْمَسِيحِيَّةِ (وَهُنَا لَا أَتَكَلَّمُ عَنِ الِاحْتِيَاجَاتِ الْمَعِيشِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي حَيَاتِنَا، وَإِنَّمَا عَمَّا هُوَ ثَانَوِيٌّ)، فَيَبْتَعِدُونَ عَنِ الْكَنِيسَةِ، وَيَضْعُفُ فِي دَوَاخِلِهِمْ عُمْقُ الْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّوَكُّلِ، إِذْ تَضِيعُ بُوصَلَتُهُمُ الدَّاخِلِيَّةُ. وَهُنَا تَتَجَلَّى خُطُورَةُ الْفَرَاغِ الرُّوحِيِّ، إِذْ يُصْبِحُ الْإِنْسَانُ فَرِيسَةً سَهْلَةً لِلتَّشَرُّدِ الرُّوحِيِّ وَالْإِنْسَانِيِّ، وَالِانْكِسَارِ الدَّاخِلِيِّ لِلرُّوحِ وَالْقِيَمِ وَالْمَكَانَةِ الَّتِي لَهُ فِي جَسَدِ الْمَسِيحِ الْحَيِّ، مِمَّا يَدْفَعُهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ إِلَى تَغْيِيرِ انْتِمَائِهِ الرُّوحِيِّ تَحْتَ ضَغْطٍ أَوْ ضَغْطِ الْحَاجَةِ أَوِ الْوَهْمِ أَوِ الْإِغْرَاءِ. وَهٰذَا وَاقِعٌ يُعَاشُ، لَا كَلَامٌ يُنْثَرُ.

مِنْ هُنَا تَنْبَعُ الْمَسْؤُولِيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْكَنِيسَةِ وَالْعَائِلَةِ وَالْعَشِيرَةِ؛ فَالْعَائِلَةُ وَالْعَشِيرَةُ لَيْسَتَا بُنْيَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ عَنِ الْكَنِيسَةِ، بَلْ هُمَا جُزْءٌ أَصِيلٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ كَيَانِهَا الْحَيِّ. فَالْكَنِيسَةُ فِي جَوْهَرِهَا هِيَ عَائِلَةُ اللهِ، وَفِيهَا تَلْتَقِي الْعَائِلَةُ وَالْعَشِيرَةُ فِي تَكَامُلٍ حَقِيقِيٍّ يَتَجَاوَزُ الرَّوَابِطَ الظَّاهِرَةَ لِيُصْبِحَ شَرِكَةَ حَيَاةٍ وَإِيمَان.

فَالْعَائِلَةُ وَالْعَشِيرَةُ كَذِرَاعَيْنِ مُمْتَدَّتَيْنِ يَحْفَظَانِ التَّوَازُنَ الرُّوحِيَّ وَالْأَخْلَاقِيَّ وَالِاجْتِمَاعِيَّ، لِيَبْقَى الإِنْسَانُ ثَابِتًا فِي مَسِيرَتِهِ نَحْوَ الْغَايَةِ الَّتِي تَتَوَّجُ كُلَّ جِهَادٍ: “الْخَلَاصُ”. وَمَفْهُومُ الْعَشِيرَةِ وَالْعَائِلَةِ كَنَسِيًّا لَا يَنْبَعُ مِنْ مَفَاهِيمَ عَابِرَةٍ أَوْ مِنْ رَوَابِطِ الدَّمِ وَحْدَهَا، بَلْ هُوَ فِي عُمْقِهِ شَبَكَةُ أَمَانٍ، وَمَجَالُ تَضَامُنٍ، وَحَاضِنَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ تُسَانِدُ الضَّعِيفَ وَتَحْمِلُ الْمُتْعَبَ، وَوَتِدٌ رَاسِخٌ يَغْرِسُ الإِنْسَانَ فِي أَرْضِ هُوِيَّتِهِ: فِي الإِيمَانِ وَالْخُلُقِ وَالْأَرْضِ. وَهِيَ لَيْسَتْ إِطَارًا اجْتِمَاعِيًّا يُوَازِي الْكَنِيسَةَ أَوْ يَقِفُ إِلَى جَانِبِهَا، بَلْ هِيَ امْتِدَادُ جَسَدِهَا فِي التَّارِيخِ، وَذَاكِرَتُهَا الْجَمَاعِيَّةُ الَّتِي تَحْمِلُ خِبْرَةَ الإِيمَانِ وَتُوَرِّثُهَا جِيلًا بَعْدَ جِيل.

فَنَحْنُ عَشِيرَةٌ وَاحِدَةٌ تَجْمَعُنَا هُوِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَتَقُودُنَا رُوحٌ وَاحِدَةٌ، وَيَرْبِطُنَا حُبُّ الأَرْضِ الَّتِي نَعِيشُ عَلَيْهَا إِيمَانَنَا، وَنَتَمَسَّكُ فِيهَا بِإِرْثِنَا الرُّوحِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ.فَكُلُّ ابْنٍ عَلَى هٰذِهِ الأَرْضِ هُوَ ابْنُ عَشِيرَةٍ أَصِيلَةٍ، تَمْتَدُّ جُذُورُهَا عَبْرَ التَّارِيخِ، مُرْتَوِيَةً مِنْ نِعْمَةِ الْفِدَاءِ وَمِنْ دِمَاءِ السَّيِّدِ التي أُرِيقَت عَلَى الصَّلِيبِ لِأَجْلِ خَلَاصِ الإِنْسَانِ. وَاهْتِمَامُ بَعْضِنَا بِبَعْضٍ لَيْسَ مُجَرَّدَ وَاجِبٍ اجْتِمَاعِيٍّ، بَلْ هُوَ كَيْنُونَةٌ رُوحِيَّةٌ أَصِيلَةٌ تَنْبُعُ مِنْ رُوحِ الإِنْجِيلِ. وَمَكَانَةُ الْعَشِيرَةِ كَسَاعِدٍ سَانِدٍ لِلْكَنِيسَةِ لَا تَنْحَصِرُ فِي مَا هُوَ مَادِّيٌّ، بَلْ تَتَّسِعُ لِتَكُونَ رِعَايَةً إِنْسَانِيَّةً وَأَخْلَاقِيَّةً لِلْمُحْتَاجِينَ وَالضُّعَفَاءِ وَالْمُنْكَسِرِينَ وَالْحَزَانَى؛ فَنَكُونُ مَعًا تَعْزِيَةً لَهُمْ وَسَنَدًا لِقُلُوبِهِمْ، مُحَقِّقِينَ قَوْلَ السَّيِّدِ:” مَا صَنَعْتُمُوهُ مَعَ أَحَدِ إِخْوَتِي هٰؤُلَاءِ الصِّغَارِ فَبِي قَدْ صَنَعْتُمْ”. وَهٰكَذَا يَدْعُونَا الرَّبُّ أَنْ نَدْخُلَ إِلَى فَرَحِهِ، قَائِلًا:” ادْخُلْ إِلَى فَرَحِ رَبِّكَ”.

فَالْعَشِيرَةُ، كَمَا عَاشَهَا أَجْدَادُنَا وَتَوَارَثْنَاهَا عَنْهُمْ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ بِنْيَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، بَلْ هِيَ شَرِيكَةٌ لِلْكَنِيسَةِ فِي رِسَالَتِهَا، تَسْعَى مَعَهَا إِلَى حِفْظِ الإِنْسَانِ وَصَوْنِ كَرَامَتِهِ. لِذٰلِكَ فَإِنَّ التَّكَافُلَ الِاجْتِمَاعِيَّ لَيْسَ تَرَفًا أَخْلَاقِيًّا أَوْ خِيَارًا ثَانَوِيًّا، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ رُوحِيَّةٌ وَإِنْسَانِيَّةٌ لِحِمَايَةِ الْعَائِلَةِ مِنَ الِانْهِيَارِ، وَلِصَوْنِهَا مِنَ الِانْجِرَارِ إِلَى حُلُولٍ بَعِيدَةٍ عَنْ رُوحِ الْكَنِيسَةِ وَقِيَمِ الْبَيْتِ الْمُتَجَذِّرِ فِي الإِيمَانِ.

وَهٰذَا كُلُّهُ يَدْفَعُنَا، بِوَاجِبٍ رُوحِيٍّ وَحَقٍّ إِنْسَانِيٍّ، أَلَّا نُغْفِلَ عَنْ مُرَافَقَةِ الْعَائِلَاتِ وَالْوُقُوفِ إِلَى جَانِبِهَا فِي مَسِيرَةِ حَيَاتِهَا؛ فَالْحُزْنُ وَالْآلَامُ وَالْفِقْدَانُ، إِذَا تُرِكَتْ بِغَيْرِ مُرَافَقَةٍ رُوحِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ، تَتَحَوَّلُ إِلَى يَأْسٍ يَسْتَبِدُّ بِالْقُلُوبِ، وَالْمَرَضُ إِذَا لَمْ يُحْتَضَنْ بِمَحَبَّةٍ وَعِنَايَةٍ يَتَحَوَّلُ إِلَى عُزْلَةٍ قَاسِيَةٍ، وَالْأَلَمُ إِذَا لَمْ يُفْهَمْ وَلَمْ يُحْمَلْ مَعَ صَاحِبِهِ يَتَحَوَّلُ إِلَى تَمَرُّدٍ يُثْقِلُ النُّفُوسَ وَيُرْبِكُ الضَّمَائِرَ.

إِنَّ الزِّيَارَةَ الصَّادِقَةَ، وَالْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ، وَالصَّلَاةَ الْمُشْتَرَكَةَ، بَلْ حَتَّى الْحُضُورَ الصَّامِتَ أَحْيَانًا، هِيَ أَعْمَالٌ بَسِيطَةٌ فِي ظَاهِرِهَا، لَكِنَّهَا خِدْمَةٌ رُوحِيَّةٌ وَإِنْسَانِيَّةٌ عَمِيقَةُ الأَثَرِ؛ إِذْ تُعِيدُ لِلْإِنْسَانِ إِحْسَاسَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ وَحْدَهُ فِي أَلَمِهِ، وَأَنَّ الْكَنِيسَةَ مَا زَالَتْ مَلَاذَهُ وَأَمَانَهُ، وَأَنَّ الْعَشِيرَةَ لَا تَزَالُ بَيْتَهُ الَّذِي يَحْتَضِنُهُ وَيَحْمِلُهُ فِي ضِيقِهِ.

أَمَّا نِدَائِي إِلَى أَبْنَائِي، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ إِخْوَتِي، مِنْ شَبَابٍ وَشَابَّاتٍ، فَهُوَ نِدَاءُ قَلْبٍ أَبَوِيٍّ يَحْمِلُ هَمَّكُمْ وَرَجَاءَكُمْ مَعًا. إِنَّ الْعَالَمَ الْيَوْمَ يَقْدِمُ نَمَاذِجَ مُشَوَّهَةً عَنِ الْحُرِّيَّةِ وَالْكَرَامَةِ وَالنَّجَاحِ، وَيَبُثُّ فِي النُّفُوسِ قَلَقًا وَهَشَاشَةً وَصِرَاعَاتٍ دَاخِلِيَّةً تَجْعَلُ الإِنْسَانَ غَرِيبًا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ هُوِيَّتِهِ. لِذٰلِكَ فَإِنَّ التَّرْبِيَةَ الْحَقِيقِيَّةَ الَّتِي تَبْنِي الإِنْسَانَ لَا تَقُومُ عَلَى مَظَاهِرِ النَّجَاحِ الزَّائِلَةِ، بَلْ عَلَى الْمُصَالَحَةِ مَعَ الذَّاتِ، وَعَلَى احْتِرَامِ الْجَسَدِ كَهِبَةٍ مِنَ اللهِ، وَعَلَى فَهْمِ الْحُبِّ بِمَعْنَاهُ الْمَسِيحِيِّ الْعَمِيقِ، وَعَلَى الِانْتِمَاءِ الْحَيِّ إِلَى الْمَسِيحِ وَكَنِيسَتِهِ — إِذْ هِيَ قَلْبُ الْعَشِيرَةِ وَنَبْضُهَا الرُّوحِيُّ. وَهٰذِهِ التَّرْبِيَةُ لَيْسَتْ خِيَارًا ثَانَوِيًّا، بَلْ ضَرُورَةٌ رُوحِيَّةٌ لَا يَجُوزُ التَّهَاوُنُ بِهَا أَوِ التَّغَاضِي عَنْهَا. فَإِذَا عَرَفْتُمْ حَقًّا مَنْ أَنْتُمْ فِي الْمَسِيحِ، لَنْ تَتِيهُوا فِي تَجَارِبِ الْعَالَمِ وَلَا تَنْجَرِفُوا فِي تَيَّارَاتِهِ، وَلَنْ تَبْحَثُوا عَنْ قِيمَتِكُمْ فِي نَظَرِ النَّاسِ وَأَحْكَامِهِمُ الْمُتَقَلِّبَةِ، بَلْ سَتَكْتَشِفُونَهَا فِي هُوِيَّتِكُمْ الْحَقِيقِيَّةِ: أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ لِلَّهِ، دُعِيتُمْ لِتَكْتَمِلُوا بِنِعْمَتِهِ وَتَحْيَوْا فِي مَجْدِ حُضُورِهِ.

وَإِنَّ مَا نَرَاهُ الْيَوْمَ فِي مَحَاكِمِنَا الْكَنَسِيَّةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَضَايَا قَانُونِيَّةٍ تُعْرَضُ عَلَى أَوْرَاقٍ وَمِلَفَّاتٍ، بَلْ هُوَ فِي عُمْقِهِ مِرْآةٌ صَادِقَةٌ لِأَزْمَةٍ رُوحِيَّةٍ عَمِيقَةٍ تَعِيشُهَا الْعَائِلَةُ فِي زَمَانِنَا: أَزْمَةُ انْتِمَاءٍ تَجْعَلُ الإِنْسَانَ غَرِيبًا عَنْ جُذُورِهِ، وَأَزْمَةُ مَعْنًى تُفْقِدُ الْحَيَاةَ غَايَتَهَا، وَأَزْمَةُ حُضُورٍ تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَعِيشُ وَسْطَ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ وَحِيدٌ.

وَمِنْ هُنَا يَتَجَلَّى أَنَّ الْحَلَّ لَا يَكْمُنُ فِي الْقَوَانِينِ وَحْدَهَا، عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا، بَلْ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى الْجُذُورِ الَّتِي تَغَذَّتْ مِنْهَا حَيَاتُنَا وَهُوِيَّتُنَا: إِلَى الْعَائِلَةِ كَكَنِيسَةٍ صَغِيرَةٍ تَنْبُضُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَالْمَحَبَّةُ، وَإِلَى الْكَاهِنِ كَأَبٍ رُوحِيٍّ يَرْعَى النُّفُوسَ وَيَحْمِلُ هُمُومَهَا، وَإِلَى الْعَشِيرَةِ كَجَسَدٍ مُتَضَامِنٍ يَحْمِي الْإِنْسَانَ فِي ضَعْفِهِ،وَإِلَى الْكَنِيسَةِ كَأُمٍّ رَحُومٍ لَا تَتَخَلَّى عَنْ أَبْنَائِهَا وَلَا تَكُفُّ عَنْ احْتِضَانِهِمْ.

فَنَحْنُ فِي الْحَقِيقَةِ لَا نَتَحَدَّثُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَدْوَارٍ مُنْفَصِلَةٍ، بَلْ عَنْ دَوْرٍ وَاحِدٍ مُشْتَرَكٍ: دَوْرِ الْعَائِلَةِ الَّتِي تَعِيشُ رُوحَ الْكَنِيسَةِ فِي بَيْتِهَا، وَدَوْرِ الْعَشِيرَةِ الَّتِي تَحْمِي هٰذِهِ الرُّوحَ وَتَحْمِلُهَا اجْتِمَاعِيًّا، وَدَوْرِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي تَمْنَحُ الْعَائِلَةَ وَالْعَشِيرَةَ مَعْنَاهُمَا الْخَلَاصِيَّ وَتَقُودُهُمَا نَحْوَ مِلْءِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ.

فَإِنَّ الْعَلَاقَةَ الْأُسَرِيَّةَ، فِي جَوْهَرِهَا الْعَمِيقِ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رَابِطَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ أَوْ تَرْتِيبٍ مَدَنِيٍّ، بَلْ هِيَ عَلَاقَةٌ كَنَسِيَّةٌ سِرِّيَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، تَتَأَسَّسُ عَلَى شَرِكَةِ الْمَحَبَّةِ لَا عَلَى حِسَابَاتِ الْمَصْلَحَةِ، وَتَقُومُ عَلَى عَهْدٍ أَمِينٍ لَا عَلَى مَنْفَعَةٍ زَائِلَةٍ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ حِفْظَ الْعَلَاقَةِ دَاخِلَ الْعَائِلَةِ لَيْسَ شَأْنًا خَاصًّا يَخُصُّ أَفْرَادَهَا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ فِي عُمْقِهِ حِفْظٌ لِجَسَدِ الْكَنِيسَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَتَصَدَّعُ هُوَ جُرْحٌ يَنْفَتِحُ فِي جَسَدِ الْكَنِيسَةِ، وَكُلَّ عَلَاقَةٍ تَنْكَسِرُ هِيَ أَلَمٌ يَخْتَرِقُ قَلْبَهَا الرُّوحِيَّ.

وَمِنْ هُنَا أَيْضًا، فَإِنَّ حِفْظَ «جَسَدِ» الْعَائِلَةِ وَالْعَشِيرَةِ إِنَّمَا هُوَ حِفْظٌ لِوَحْدَةِ الْكَنِيسَةِ وَسَلَامِهَا؛ فَالِافْتِقَادُ الْمُتَبَادَلُ بَيْنَ أَبْنَائِهَا، وَتَحَمُّلُ الْمَسْؤُولِيَّةِ فِي أَزْمَاتِهَا، وَالْوُقُوفُ إِلَى جَانِبِ الضُّعَفَاءِ فِيهَا، وَرِعَايَةُ الْمُحْتَاجِينَ، وَمُرَافَقَةُ الْمَرْضَى وَالْمَحْزُونِينَ، لَيْسَتْ أَعْمَالًا اجْتِمَاعِيَّةً عَابِرَةً أَوْ مُجَرَّدَ مُبَادَرَاتٍ إِنْسَانِيَّةٍ؛ بَلْ هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا لِيتُورْجِيَا حَيَّةٌ خَارِجَ الْهَيْكَلِ، وَعِبَادَةٌ مُتَجَسِّدَةٌ فِي حَيَاةِ النَّاسِ، تُعَبِّرُ عَنْ إِيمَانٍ حَيٍّ يَعْمَلُ بِالْمَحَبَّةِ وَيَتَجَلَّى فِي الْخِدْمَةِ.

إِخْوَتِي السَّادَةُ الْقُضَاةُ وَالْمُحَامُونَ،

إِنَّ مَسْؤُولِيَّتَنَا فِي خِدْمَةِ الْعَدَالَةِ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ رِسَالَةِ الْكَنِيسَةِ فِي رِعَايَةِ الْعَائِلَةِ وَحِمَايَةِ قُدْسِيَّتِهَا؛ فَأَنْتُمْ لَسْتُمْ مُجَرَّدَ مُطَبِّقِينَ لِنُصُوصِ الْقَانُونِ، بَلْ أَنْتُمْ شُرَكَاءُ فِي خِدْمَةِ الْحَقِّ، وَسَنَدٌ لِجُهُودِ الْكَنِيسَةِ فِي صَوْنِ قُدْسِيَّةِ الزَّوَاجِ وَحِفْظِ كَرَامَةِ الْعَائِلَةِ، وَفِي مُرَافَقَةِ بُيُوتٍ جَرَحَهَا الضَّعْفُ وَأَثْقَلَتْهَا أَزَمَاتُ الْحَيَاةِ.

وَإِذْ نُقَدِّرُ جُهُودَكُمْ وَأَمَانَتَكُمْ فِي حَمْلِ هٰذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةِ الدَّقِيقَةِ، نَرْجُوكُمْ أَنْ تَبْقَوْا دَوْمًا رُكُنًا لِلْعَدَالَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالْحِكْمَةِ، وَصَوْتًا لِلْقَانُونِ الْمُتَّحِدِ بِالرَّحْمَةِ، لِكَيْ تَبْقَى خِدْمَتُكُمْ لَا حُكْمًا جَافًّا، بَلْ جُزْءًا حَيًّا مِنْ مَسِيرَةِ شِفَاءِ الْعَائِلَةِ وَاسْتِعَادَةِ وَحْدَتِهَا، وَمِنْ حِفْظِ سَلَامِ الْجَسَدِ الْكَنَسِيِّ بِأَسْرِهِ. فَبِتَكَامُلِ دَوْرِ الْكَنِيسَةِ وَالْعَشِيرَةِ وَالْعَدَالَةِ، يُصَانُ الْبَيْتُ، وَتُحْفَظُ كَرَامَةُ الْإِنْسَانِ، وَيَبْقَى بَابُ الرَّجَاءِ مَفْتُوحًا أَمَامَ كُلِّ عَائِلَةٍ جَرَحَهَا الضَّعْفُ، لِكَيْ تَجِدَ فِي الْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ طَرِيقَ الشِّفَاءِ وَالْقِيَامِ مِنْ جَدِيدٍ.

خِتاماً؛

أُكررُ بألمٍ وحزنٍ أبوي إِنَّ مَا نَرَاهُ الْيَوْمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَضَايَا قَانُونِيَّةٍ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ لِأَزْمَةٍ رُوحِيَّةٍ عَمِيقَةٍ تَعِيشُهَا الْعَائِلَةُ الْمَسِيحِيَّةُ، وَأَزْمَةُ جَسَدٍ نَسِيَ أَنَّهُ وَاحِدٌ؛ إِذْ سُقُوطُ فَرْدٍ هُوَ سُقُوطُ الْجَمَاعَةِ، وَانْقِسَامُ الْعَائِلَةِ هُوَ انْقِسَامُ الْجَسَدِ الْكَنَسِيِّ.فَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْحَلَّ لَيْسَ فِي الْقَوَانِينِ وَحْدَهَا، بَلْ فِي اسْتِعَادَةِ الْوَعْيِ: أَنْ نَعِيشَ كَجَسَدٍ وَاحِدٍ، وَنُفَكِّرَ كَجَسَدٍ وَاحِدٍ، وَنَرْعَى كَجَسَدٍ وَاحِدٍ، وَنَتَأَلَّمَ وَنَتَعَافَى كَجَسَدٍ وَاحِدٍ فِي الْمَسِيحِ. فَالْكَنِيسَةُ لَيْسَتْ خَارِجَنَا، بَلْ فِينَا.

يُؤْسِفُنِي أَنْ تُسْتَبْدَلَ العَدالَةُ بِالقانُونِ، وَكَأَنَّ النُّصوصَ قادِرَةٌ أَنْ تَحِلَّ مَحَلَّ الضَّميرِ؛ مُذَكِّرًا أَنَّ إِلهَنا عادِلٌ وَصادِقٌ، وَأَنَّ القانُونَ ما وُضِعَ إِلَّا لِبُعْدِ الإِنْسانِ عَنِ الحَقِّ، لِأَنَّ اللهَ نَفْسَهُ هُوَ الحُبُّ الَّذِي يَرْفَعُ العَدالَةَ وَيُكَمِّلُها.

يُؤْسِفُنِي أَنْ يُشاهِدَ الأَبُ أَوِ الأُمُّ ضَناهُما بِواسِطَةِ مَحْضَرٍ مِنْ مَخْفَرِ الشُّرْطَةِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَلْتَقِيَا بِهِم فِي أَحْضانِ الحُبِّ وَالسَّلامِ؛ فَيُؤْخَذُ الطِّفْلُ مِنْ يَدٍ غَريبَةٍ لِحِمايَتَهِ مِمَّنْ كانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا حِصْنَهُ وَمَلاذَهُ، دُونَ أَنْ يَتَساءَلَ أَحَدٌ عَمَّا يَجُولُ فِي قَلْبِ هٰذَا الضَّنَى، وَهُوَ يُنْتَزَعُ مِنْ دِفْءِ بَيْتٍ كَانَ يَحْلُمُ أَنْ يَبْقَى لَهُ.

يُؤْسِفُنِي حِينَ يَقِفُ الأَبْناءُ شُهودًا ضِدَّ أَيٍّ مِنْ والِدَيْهِمْ أَمامِي؛ وَيَشْتَدُّ الأَسَى أَكْثَرَ حِينَ يُضْغَطُ عَلَيْهِمْ لِيَشْهَدُوا ضِدَّ أَحَدِهِما، فَيَحْمِلُونَ فِي قُلُوبِهِمْ جِراحًا تَبْقَى أَثْقَلَ مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ تُقالُ فِي قاعَةِ الحُكْمِ.

يُؤْسِفُنِي أَنْ تَتَحَوَّلَ العِشْرَةُ الَّتِي بُنِيَتْ يَوْمًا عَلَى المَحَبَّةِ وَالثِّقَةِ إِلَى خُصومَةٍ وَعَداوَةٍ أَمامِي؛ فَأُطْلَبُ أَنْ أُصْدِرَ قَرارًا بِمُوجِبِ أَوْراقٍ وَبَيِّناتٍ، بَيْنَما تَغِيبُ رُوحُ المَحَبَّةِ، وَيَخْفُتُ صَوْتُ الاِحْتِرامِ، وَيَتَغَذّى هٰذا كُلُّهُ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ الحَقَّ وَلا يَبْتَغِي السَّلامَ.

يُؤْسِفُنِي حِينَ يَتَنازَعُ الإِخْوَةُ عَلَى مِيراثٍ، وَنِهايَتُهُمْ واحِدَةٌ وَهِيَ المَوْتُ؛ فَيَرْبَحونَ ما لِلعالَمِ الزّائِلِ، وَيَنْسَوْنَ أَنَّهُمْ أَبْناءُ اللهِ، وَأَنَّ كُلَّ ما يَتَقاتَلونَ عَلَيْهِ سَيَبْقَى خَلْفَهُمْ، بَيْنَما يَخْسَرونَ مَحَبَّةَ الإِخْوَةِ وَسَلامَ القَلْبِ، وَكُلُّ ذٰلِكَ يُرَفْعُ تَحْتَ شِعارِ الحَقِّ“. أَمّا أَنا، كَأَبٍ وَأَخٍ فِي هٰذَا الجَسَدِ، فَلا أَرَى الحَقَّ إِلَّا فِي المَسيحِ الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ عَنَّا، إِذْ هُوَ الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ. وَهٰذَا الحَقُّ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْرونًا بِالعَدالَةِ وَالغُفْرانِ، يَبْقَى قانُونًا جامِدًا، فارِغًا مِنَ الرَّحْمَةِ.

يَؤْسِفُني عِنْدَما أَرى طَلَبًا يُقَدَّمُ يَلْتَمِسُ نَفَقَةً مَعِيشِيَّةً أَوْ دِراسِيَّةً، أَوْ مَسْكَنًا لِأَوْلادٍ لا ذَنْبَ لَهُمْ، فَأَتَساءَلُ بِحُزْنٍ: أَيَكُونُ ذَنْبُهُمْ أَنَّهُمْ وُلِدُوا مِنْ أَبَوَيْنِ لَمْ يُدْرِكا بَعْدُ مَعْنَى الزَّواجِ وَثِقْلَ الْمَسْؤُولِيَّةِ؟

يَؤْسِفُني عِنْدَما تَقَعُ عَلى مَكْتَبِي وَرَقَةٌ يَلْتَمِسُ فِيهَا أَحَدُهُمْ التَّنَصُّلَ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ التَّرْبِيَةِ، وَالتَّخَلِّي عَنْ أَبْنائِهِ، كَأَنَّ الْأُبُوَّةَ وَالْأُمُومَةَ أَمْرٌ يُوضَعُ وَيُرْفَعُ بِكَلِمَةٍ أَوْ تَوْقِيع.

يَؤْسِفُني أَنْ أَلْتَقِيَ بِأُناسٍ يُريدونَ لِلْعائِلَةِ دَمارًا، وَلِلْكَنِيسَةِ شَرًّا، وَيَسْتَتِرونَ خَلْفَ نُصوصِ الْقَانُونِ وَبُنودِهِ لِيُبَرِّرُوا أَهْواءَهُمْ وَمَصالِحَهُمْ، مُتَغافِلِينَ أَنَّ كَثيرًا ما تُعْطِي الْقَوانِينُ الْحَقَّ لِمَنْ لا حَقَّ لَهُ، وَتُضَيِّعُ الْحَقَّ عَمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ.

يَؤْسِفُني حِينَ أَرَى نِزاعًا مُؤْلِمًا عَلى حِضانَةِ أَبْناءٍ بَيْنَ أَبَوَيْنِ كانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونا لَهُمْ مَنْبَعَ الأَمانِ وَمَأْوَى الطُّمَأْنِينَةِ؛ فَأَيُّ حِضانَةٍ تُرْتَجَى إِذا غابَ الأَمانُ وَانْعَدَمَ الاِحْتِرام؟

يَؤْسِفُني… نَعَمْ، يَؤْسِفُني كَثيرًا، حِينَ أَرَى أَبْنائِي كَما لَمْ أَتَصَوَّرْهُمْ يَوْمًا؛ وَيَثْقُلُ قَلْبِي بِأَلَمٍ كَبيرٍ، إِذْ أَشْهَدُ جِراحًا لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي أَنْ تُولَدَ فِي بَيْتٍ كانَ يَفْتَرِضُ أَنْ يَكُونَ مَوْطِنَ الْمَحَبَّةِ وَالسَّلامِ.إِنَّهُ أَلَمٌ يَكْبُرُ فِي الْقَلْبِ كُلَّما رَأَيْتُ الطِّفْلَ يَدْفَعُ ثَمَنَ خَطايا لَمْ يَخْتَرْها، وَيَحْمِلُ جِراحًا لَمْ يَكُنْ هُوَ سَبَبَها.

يُؤْسِفُنِي أَنْ يَكُونَ هٰذا هُوَ واقِعُ كَثيرٍ مِنْ إِخْوَتِنا وَأَبْنائِنا؛ لِذٰلِكَ أَرْجُو كُلَّ مَنْ يَقْرَأُ هٰذِهِ الرِّسالَةَ أَنْ يَقِفَ مَعَنا وَقْفَةَ ضَميرٍ حَيٍّ، وَأَنْ نَرْفَعَ أَبْصارَنا مَعًا إِلَى نَظْرَةٍ أَكْثَرَ مَسْؤُولِيَّةً وَإِنْسانِيَّةً، لِنَخْدِمَ بَعْضَنا بَعْضًا بِالمَحَبَّةِ وَالعَطْفِ، وَلِنُعيدَ إِلَى العائِلَةِ قَداسَتَها، وَإِلَى القُلُوبِ طُمَأْنِينَتَها وَسَلامَها. سائِلًا إِلَهَنا المُتَحَنِّنَ أَنْ يُكَلِّلَكُمْ بِنِعْمَةِ الحِكْمَةِ وَرُوحِ التَّمْييزِ، وَأَنْ يَسْنُدَكُمْ بِمُعاضَدَتِهِ الإِلٰهِيَّةِ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ، لِتَبْقَى الكَنيسَةُ نُورًا مُشْرِقًا فِي قُلُوبِكُمْ، يَعْكِسُ وَهَجَ المَخَلِّصِ الَّذِي قالَ: “إِنْ أَحْبَبْتُمْ بَعْضَكُمْ بَعْضًا، بِهٰذا يَعْرِفُ الجَميعُ أَنَّكُمْ تَلاميذي (يُوحَنّا 13: 35).

Reviews

0 %

User Score

0 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *