عندَ الأردنّ تكلّمَ الصَّوت ولما حضرَ الله صمَت النبيّ
الثلاثاء من الأسبوع الثالث والثلاثين بعد العنصرة
تذكار حافل للنبي المجيد يوحنا المعمدان سابق المسيح
عندَ الأردنّ تكلّمَ الصَّوت ولما حضرَ الله صمَت النبي
عند ضفاف نهر الأردن، في المكان الذي صار يُعرف بالمغطس، لا نقف أمام ذكرى تاريخية جامدة، بل أمام حدث لاهوتي حيّ ما زال يتدفّق في وجدان الكنيسة. هناك، حيث التقت مياه الأرض بنداء السماء، ظهر القديس يوحنا المعمدان كصوتٍ يسبق الحضور الإلهي، لا ليحتل المشهد بل ليهيّئه، لا ليصنع مجده بل ليكشف مجد الآتي. فالمغطس ليس مجرد موقع، بل هو مساحة لقاء بين التوبة والنعمة، بين صرخة الإنسان واستجابة الله.
القدّيس يوحنا المعمدان يقف على حدود العهدين، شاهدًا على اكتمال الزمن. هو آخر أنبياء الانتظار وأول شهود الظهور، يحمل في صوته ثقل النبوات القديمة وفرح الرجاء الجديد. لم يتكلّم من فراغ، بل من برية القلب التي صارت منبرًا للكلمة الإلهية. صرخته «توبوا» لم تكن تهديدًا، بل دعوة إلى إعادة ترتيب العلاقة مع الله، استعدادًا لملكوت لا يُفرض بالقوة بل يُستقبل بالقلب المنسحق.
في المغطس بلغ تواضع يوحنا قمّته، عندما وقف أمام الذي لم يعرف خطيئة وارتعد قائلاً: «أنا محتاج أن أعتمد منك». هناك انكشفت حقيقة رسالته: أن يدلّ ولا يمتلك، أن يشير ولا يتقدّم، أن يفرح بحضور العريس ولو اختفى هو عن الأنظار. في تلك اللحظة لم يكن يوحنا في مركز الحدث، لكنه كان في عمقه، لأن العظمة الحقيقية لا تُقاس بالظهور بل بالأمانة للدعوة.
في مشهد اعتماد الإله المُتأنّس في نهر الأردن ليس فقط إعلانًا للمسيح، بل كشفًا عن سرّ الله نفسه. الابن يدخل المياه، الروح القدس ينزل، وصوت الآب يشهد. أما يوحنا فيقف كجسر صامت بين السماء والأرض، شاهداً على الثالوث دون أن يشرح، ومؤمنًا بالسرّ دون تفسير. هنا يصبح المغطس ليتورجيا مفتوحة، تُقدَّس فيها المياه، وتُستعاد الخليقة إلى قصدها الأول.
يوحنا هو «الصوت» لا «الكلمة»، والصوت لا يعيش إلا ليقود إلى المعنى. وعندما حضر الكلمة، انسحب الصوت دون مرارة، لأن اكتمال الرسالة هو نهاية الخدمة. لذلك تبقى عبارته «ينبغي أن ذاك يزيد وأني أنا أنقص» قانونًا روحيًا لكل خادم في الكنيسة، ودستورًا لاهوتيًا لفهم الرُّتبة على أنها خدمة، والحضور على أنه إخلاء للذات.
اليوم، وفي موسم عيد القديس يوحنا المعمدان، يعود المغطس ليخاطبنا من جديد. ليس المطلوب أن نُعيد سرد القصة، بل أن نسمح لها أن تُعيد تشكيلنا. فصوت يوحنا ما زال يعبر الأزمنة، لا ليُدين العالم، بل ليوقظه من اعتياده، ويدعوه إلى توبة تفتح الطريق أمام المسيح ليعبر في مياه حياتنا كما عبر في نهر الأردن.
وهكذا يبقى يوحنا المعمدان علامة رجاء وميزان صدق، يعلّمنا أن الطريق إلى الله يبدأ دائمًا من التواضع، وأن أعظم دور يمكن أن نلعبه في تاريخ الخلاص هو أن نهيّئ الطريق، ثم نترك الله يكون الله.











