سرّ التدبير الإلهي
عندما نقرأ الكتاب المقدس وكتب الآباء القديسين في الكنيسة الجامعة المقدّسة الرسوليّة نتعلم أن سرّ التدبير الإلهي يتحقق تدريجياً بدءً من البشارة والميلاد والعجائبثم يصل إلى ذروته بالآلام الخلاصيّة وقيامة الرب يسوع المسيح وصعوده إلى السماء، وهكذا يصبح هذا السرّسرّاً مكتملاً لخلاص العالم والبشرية جمعاء.
إن حدث الصَّلب والقيامة هو الحدث الأسمى الذي وضعه المسيح (الإله الإنسان) نُصبَ عينيه منذ البداية.
إن الطبيعة البشرية التي اتخذها الله الابن بالرغم من انها طاهرة ومنزَّهة عن كل خطيئة، إلا أنها قابلة للموت الآلام. هذا المفهوم يشكِّل العنصر الأساسي في التعليم حول الطبيعة الجسدية المسيح.
إن الابن الذي صار إنساناً حقيقياً قد قَبِلَ طوعاً وليس قسراً، أن يتّحد بالطبيعة البشرية المخلوقة والفاسدة والمائتة، كي يمنحها صفة عدم الفساد ويُدخِل إليها الحياة. ولولا هذا الاتحاد الوجودي الأقنومي بين الطبيعة الإلهية والإنسانية في شخص الله اللوغوس ، ولولا هذا التنازل الإلهي على الصليب لكان سرّ التدبير الإلهي في نهاية المطاف مجرد خداع وكأنه مسرحية.
بحسب تعبير القديس يوحنا الدمشقي إن الآلام الطبيعية التي حصلت للطبيعة الإنسانية للمسيح لم تكن موجودة لو لم يُرِد هو قبولها بمحض إرادته. فالله كونه حر تنازلوأخذ الطبيعة البشرية بكامل إرادته الحرّة، ورضيَ أن يتألم كإنسان كونه وحّدَ ما بين الإرادة الإلهية والإرادة الإنسانية في شخصه، وبمحض إرادته اقتبلَ الموتوتبعياته.
إن النظرة من هذه الزاوية تتجاوز المفهوم الآلي لعصمةالمسيح عن الخطيئة، وتتجاوز رؤية تجنّب المسيح للتجربة التي كان يتعرض لها، وعلينا أن نعرف أن حرية المسيح هي حرية وجودية كاستسلام طوعي للإرادة الإلهية، كما وليست هذه الحرّيّة هي أخلاقية مترددة ومتأرجحة ما بين معطيات متضاربة، وهي تذكر استقلالها الوجودي الذاتي.
لماذا لا تحمل الطبيعة الإنسانية للمسيح أي مفوم قسري؟ لأنه ليس فقط أن المشيئة الطبيعية الإنسانية هي مشيئة حرّة فحسب بل وأيضا لأنها تكتسب وجودها وهويتها مناقنوم ابن الله. فكل ما كان يمثل ضرورة وخطيئة للبشر الآخرين صار في المسيح فعل حرّيّة ومحبّة.
لقد كانت حياة المسيح الخالية من الخطيئة تحدياً لقوى الشر والفساد. ونلاحظ بداية هذا التحدّي في جبل التجربة، إذ تشير الشهادة الإنجيلية إلى الصراع الذي حدث بين (الإله الإنسان) والحالة الشيطانية، مؤكدة على أن يسوع مدفوعاً بالروح القدس إلى البرّيّة قام بضحض التجارب بقوة الروح القدس، ومن ثم يصل هذا الصراع إلى ذروته الدرامية وقت آلامه على الصليب. فالكتاب المقدس والآباء القديسين والترانيم الكنائسية تشير إلى مسيرة المسيح الطوعية نحو الآلام والموت.
لقد جاء المسيح كي يَخضَع للموت بكامل حريته، فلولا الصلب والموت الطوعي للمسيح لما تحرّرنا من الفساد. ولما أمكَنَتنا التعاليم ولا البشارة ولا العجائب من التحرُّر من الموت والفساد.
لقد قَبِلَ المسيح الموتَ طوعاً لخلاص البشر. وفي الفكر الآبائي فإن صليب المسيح يشكل سرّاً عظيماً، فهو يعني إبطال الخطيئة ومصالحة الإنسان مع الله.
كانت معاني الصليب غامضة في العهد القديم، وعند الأنبياء كانت تظهر كتعليم في أحداث متنوعة، لكننا نرى المعنى الحقيقي والمؤثّر والفعّال للتجسّد من خلال الصليب والآلام والقيامة. ومن خلال حياة الكنيسة فإن سرّ الصلب وسرّ الخلاص يتّحدان بالكامل في المسيح يسوع. وأصبح الصليب رمز المجد للعالم، وصار هوشعار الحرّيّة الذي لا يقُهَر وشعار خلاص البشرية جمعاء. وصار أيضاً يمثل مجمل عمل التدبير الإلهي للمخلِّص.
لذلك بدون الاتحاد بالطبيعة الفاسدة والمائتة وبدون الصليب، الذي يعني التضحية الطبيعية من أجل التحرّر من الفساد والشيطان، لم ولن يتحقق سرّ خلاص الإنسان. وبالتالي فإن المنزّه عن الخطيئة وحده، قد حقّق سرّ الخلاص من خلال تضحيته التي كانت بحاجة إليهاكل البشرية من أجل إعادة العلاقة بين الإنسان والله.
لقد مات المسيح طوعاً، فهو لم يكن مجبَراً على ذلك، ولكنّه قَبِلَ الموت من أجل البشر الذين ذاقوا الموت بالإكراه بسبب الخطيئة الجدية.
إن الصورة الحقيقية التي تكلَّم عنها الكتاب المقدس في عملية التضحية والفداء والمصالحة كان أساسها المبادرة الإلهية الحرّة والتي تمت بإخلاء الذات. أما اللّاهوت الغربي بداية من أوغسطينوس وأنسلم إلى لوثر وكلفن، فإنهم يفسّرون ذلك من مفهوم التبادل القضائي والعقابيلإرضاء العدل الإلهي وتقديم الكفّارة عن خطايا البشرية من خلال تضحية ابن الله الوحيد، وهذا غير مقبول في الأرثوذكسية لأن عملية الفداء لم تكن عدلية، أي لإرضاء الآب وإعادة كرامته المهدورة، وإنما تمت عملية الصّلب والآلام والتضحية من دافع حبّ الله للإنسان، لأن مسرّة الله الآب لم تكن لها أية علاقة بمفهوم إرضاء العدل الإلهي او أي شكل من أشكال التفكير الإنساني النفسي لأن طرق تفكير الله بعيدة كل البعد عن طرق تفكير الإنسان.
إن الآب يرتضي ويسر بسرّ التجسد الإلهي، لكنه لا يتلذذ بتضحية الابن الوحيد فوق الصليب، لم يكن الله بحاجة إلى تضحية المسيح، بل الإنسان هو من كان بحاجة إليها، وقد حقق هذا العمل الابن المتجسد بحريّة ومحبة وإخلاء الذات والتواضع.
إن فكرة عقاب الأب لابنه الذي يرضى أن يتلذذ بهذا العقاب لا مكان لها في سر المحبة غير المحدودة التيللثالوث القدوس من أجل خلاص الإنسان والعالم.
قمّة إخلاء الذات والتواضع
إن طبيعة البشر المهزومة بآلام الإله الإنسان قد انتصرت على الظلم والخداع والشر والفساد والموت. وعوضاً من أن تكون هذه الطبيعة خالدة بالشر وبالشيطان الذي هو الموت الابدي، فإن صليب المسيح قد جلب لها الشفاء والتحرر من الموت الجسدي والروحي. وهذا تم لأن الطبيعة الإنسانية المتّحدة مع الله الكلمة قد تألمت وماتت على الصليب.
إن نفس المسيح الإنسانية قد انفصلت مكانياً عن جسده خلال الدفن الثلاثى الأيام، إلا أنها ظلَّت متحدة أقنومياً بالله الكلمة. إن موت الطبيعة الإنسانية للمسيح، أي انفصال نفسه الإنسانية عن جسده الطاهر، لم يكن إلا رقاداً مؤقتاً. وإن الموت لم يسبب فساداً أو تحللاً للجسد،كما وإن هذا الموت والدفن الثلاثي الأيام منح إمكانية تحرّر الطبيعة البشرية من رباطات الموت، بسبب أن هذا كله أعطى الفرصة أيضا لنزول المسيح إلى الجحيم، ولذلك قد قام المسيح بقوة الروح القدس لكي يبشر ويحييالأموات.
إن سر الآلام والموت اللّذين حصلا للمسيح دلالة على خضوعه التام لإرادة الله الآب، قد سَمَّرا معهما كلّاً من الآلام والموت البشري، ونتيجة ذلك انعكس أيضاً على مسيرة المائتين، الذين ماتوا بسبب العصيان، وأقامهم إلى الحياة الأبدية.
إن الموت الطوعي الذي قَبِل به المسيح دون إكراه، قد قلب موازين الموت الإجباري الذي فُرِضَ على الإنسان بسبب انفصاله عن حياة الله بالخطيئة، فصار الموت مصدرخلاص للإنسان. وإن هذا العمل الذي قام به المسيح الإله المتجسد كان بمثابة إعلان الثقة الكاملة بالله الآب، ووِحدة الإرادة معه. و”عمل مسرَّة الله” يعني إعلان العمل الخلاصي الذي قام به الثالوث والمتمثل بـِ: إخلاء الذات والطاعة التامة لعمل سرِّ الفداء. وهكذا فإن مسرَّة الله الآب هي خلاص الإنسان من الموت والفناء والدخول في حالة شركة في حياة الله الثالوث.
القيامة من بين الاموات
ان القيامة التي حصلت للرب يسوع المسيح بالجسد لم تكن نتاج عمل الأقنوم “الابن” لوحده، وإنما هي عمل مشترك للثالوث الأقدس. الله الآب يُحيي بواسطة الروح القدس، الذي هو موجود ويُحيي بطريقة سرّيّة الجسدَالسيّدي لله الكلمة غير القابل للآلام، والذي اتَّحد بالطبيعة البشريَّة دون انفصال، فإن الأقانيم الثلاثة الآب والابن والروح القدس يعملون معا كعمل واحد في القيامة وإعطاء الحياة.
تعطي شهادة العهد الجديد وتعاليم الآباء دوراً مهما للروح القدس في قيامة المسيح، ويدعونها بالروحانية، لأن جسد المسيح القائم هو روحاني، لا يعني أنه غير مخلوق،إنه مخلوق، ولكنه تم تجديده وإحياءه بالكامل بفعل القدرة غير المخلوقة للروح القدس العامل مع الآب والابن.
في اللاهوت العدلي المرفوض، تُفهَم القيامة كتعويضقضائي عدلي للفداء، دفع ثمنه المسيح من خلال تضحيته على الصليب، ولذلك فإن هذا اللاهوت لا يعطي أي دور لاشتراك الروح القدس في هذا العمل. وإنما وبحسب تعليمهم الضال الذي تجاهل عمل الروح القدس، هم يعتبرون أن المسيح قام بعمل أقنومه الشخصي منفرداً، واضعينه ضمن إطار شخصي لعدالة إلهية يُساء فهمها.وكأنها تعمل بشكل آلي بمعزل عن الأقانيم الثلاثة.
ولكن بحسب الكتاب المقدس فإن المسيح هو بكرٌ من الأموات، أي أنه هو الذي أدخل البشرية للخليقة الجديدةكاشفاً عن هدف ونهاية الخلق. فالمسيح هو الوارث و هو الجامع شتات الخليقة. فالإنسان الأول قد خُلق الآن ضمن منظور “الإنسان الجديد” في المسيح يسوع.
منذ البداية كان هدف الإنسان هو الأبدية ولكن ما فشِل عنه آدم في الحقيقة أنجزه المسيح في جسده. والأمر المهم هو أن المسيح أظهر لنا الطريق صائراً المثل الأعلى في نهج هذه الحياة، ليسير على خطاه آدم غير الكامل والساقط، أي كل من آمن به وتبعه، من بني آدم الذي فقد النعمة وأصبح مائتاً وعاد إلى الأرض التي خُلِقَ منها.وهنا يظهر لنا آدم الجديد (المسيح) آدم الثاني، بأنه هو أصل وقائد الحياة الكاملة والأبدية الخالدة للإنسان الجديد.
إن الاتحاد الرّوحي والجسدي بين الخالق والمخلوق لم يفصل القائم عن بقية العالم ولكنه أضحى بقيامته محور العالم الحقيقي والحياة الحقيقية.
إن قيامة المسيح أضحت قيامة وتجديد الإنسان الذي كان قد أضاع الطريق قديماً، وعاد الآن من جديد إلى الحياة الأبدية. وكما لم يشهد أحد لحظة خلق الإنسان الأول، هكذا أيضاً لم يرَ أحد قيامة آدم الثاني. لقد ظهر المسيح لتلاميذه بهيئة أخرى، فلم يعرفاه تلميذا عمواس.
إن الجسد الإنساني قد تحرر من ناموس العناء والاحتياجات، ولكن بالرغم من أنه لم يكن بحاجة للطعام من أجل العيش إلّا أنه بعد القيامة أكل مع تلاميذه بحسب القدرة الإلهية حتى يُظهِر حقيقة قيامته بالجسد.
إن المسيح بلقائه مع التلاميذ يثبّت إيمانهم ويفتح اذهانهم لمعرفة الكتب المقدسة ليدركوا إتمام سرّ التدبير الخلاصي في السرّ المسياني. والأهم من ذلك فإنه يجهِّزهم لقبول موعد الآب الذي هو حلول الروح القدس الذي يبني الكنيسة. لقد سمع الرسل، ولأول مرة من ضمن الوعد، من يسوع نفسه قبل الآلام أن يسوع القائم من بين الاموات بصفته صاحب السلطة سوف يمنحهممواهب وقوى الروح القدس، ومن خلال هذا الفعل، المحدَّدآنذاك، للروح القدس الذي يمنحه المسيح يكشف عن الوحدة غير المنفصلة والجوهر الواحد بحسب الطبيعة الإلهية مع الآب والروح.
إن إعطاء الروح القدس بعد القيامة مباشرة كان بمثابة هبة تحضيرية، ولكنه لم يكن كحلول مواهب الروح القدس مجتمعة، كالذي صار للتلاميذ بعد الصعود في يوم العنصرة الذي به سيتمم المسيرة الأرضية التاريخية للمسيح.
قيامه المسيح محور الحياة اللِّيتورجية للكنيسة
إن صلب المسيح وقيامته هما الحدثان العظيمان في إنجيل البشارة، واللّذان تحظى احداثهما بتفصيل واسع في الأناجيل، لهذا السبب يمثلان محور ايمان خبرة الكنيسة، فإن الفصح في الكنيسة هو أكثر بكثير من مجرد عيد منتصف الربيع. إذ إن موت الله بالجسد له معنى هام ألا وهو قيامة الإنسان.
وبعد العنصرة عبَّرت الكنيسة الأولى عن هذا الإيمان وحياة القيامة بالممارسات الليتورجية للكنيسة. فركَّزت على سر الشكر الإلهي بالدرجة الأولى، وبنت على أساس هذا الإيمان سلسلة من الاعترافات الإيمانية التي قادت إلى اختبار قيامة المسيح من خلال أسرار الكنيسة مثل العمودية والميرون وسر الشكر، وقد مارستها الكنيسةعلى أساس هذه القيامة الخلاصية.
إن تقليد الكنيسة في الترانيم والحياة الليتورجية قد بُنيعلى أساس الفصح المقدس، وأيضا عمل البشارة والتعليم والعمل الرعائي كان المعنى الأساسي لهم هو قيامة المسيح. فالحياة اللّيتورجية الكنائسية ما هي إلا العيش في امتداد صلب وقيامة المسيح، وهكذا وعلى هذا الأساس بنيت الطقوس الكنائسية، والقراآت الإنجيلية والرسائل والدورة الكنائسية في الأعياد والمناسبات الكنائسية، من أعياد سيدية أو أعياد والدة الإله.
إن نمو التراتيل الغنيّة في كتابات القديسين ورسم الأيقونات وهندسة بناء الكنائس، تشكل الطرق والوسائل التي استخدمتها الكنيسة لانتشار مسيرتها تجاه الملكوت من خلال الأحداث الخلاصية.
إن زمن الكنيسة الآن هو الزمن الليتورجي للكنيسة، الذي يدور حول محور واحد وهو: مسيرة المسيح الحمَل الفصحي بطريقة مذهلة.
إن هذه المسيرة لا تتمحور حول أحداث قد حدثت في الماضي وانتهت، وإنما حول أحداث فتحت الزمن الأخروي للتاريخ والتي تهدف إلى الوصول لملكوت المسيح. وهكذا فإن الكنيسة تحيا هذه الأحداث الخلاصية التي قام بها المسيح على الأرض. والتي كانأهمّها أن المسيح قد عُلِّق على الصليب وقام من بين الأموات.
ومع ذلك فإن حدث القيامة ليس حدثاً موضوعياً محدوداً في قوانين تاريخية طبيعية في هذا العالم المليء بالفساد والموت، وأن حدث القيامة ليس حدثاً طبيعياً عابراً في التاريخ، فهو حدث لا يمكن فهمه او برهنته عقلياً، ولكنّه حدث يُعاش بالإيمان ومن خلال أسرار الكنيسة، ومن خلال الحياة الليتورجيّة للمؤمنين. إنها مسألة حريّة شخصيّة.
إن القيامة هي أساس شهادة الكنيسة وبشارتها للعالم،فبدون رجاء انتصار القيامة العامة التي أُسِّست على قيامة المسيح وحياة الدَّهر الآتي يكون إيمان الكنيسة باطلاً، وتكون كرازتها أيضاً باطلة وبلا معنى.
إن حدث القيامة ليس حدثاً خارجاً عن سرّ الخلاص في المسيح، بل هو قمة تاريخ الخلاص والذي هو تاريخ الكنيسة، وهو ينبوع الإيمان وينبوع العبادة والحياة.
شكَّل حدث القيامة وخبرتها عند الكنيسة القاعدةالأساسية للبشارة المسيحية عبر الزمن “إلى أقاصي الأرض” (أعمال ١: ٨).
إن ابتعاد الإنسان والفكر المعاصر عن خبرة عيش قيامةالمسيح يولِّد الموت الروحي لهذا الإنسان، ويجعله يبتعد عن حياة الله القائم وعن حياة الكنيسة، لذلك تدعو الكنيسة الإنسان إلى إعادة هيكلة ذاته على أساس قيامةالمسيح، وأن المسيح مات وقام حقاً لإعطائنا الحياة الأبديَّة، ومن خلاله نأخذ الأبدية وعدم الموت والفناء كي نحيا الحياة الحقيقية.
كمال التدبير الإلهي في الصعود
بعد قيامة المسيح يتم حدث الصعود الإلهي، أي عودة الطبيعة البشرية إلى العلاء، وعيش حياة الثالوث. الله الابن صار إنساناً وتألَّم وصُلِب وقُتِل وقام وصعد، ليس لأن المسيح كان بحاجة إلى صعود ولكن لكي يعطي الخلاص والأبدية للبشر.
إن الآلام والقيامة والنزول إلى الجحيم والصعود منه كلُّها أحداث حصلت لكي يعطي المسيح من خلالها الحياة الأبدية للجميع، وبالرغم من أن هذه الأحداث قد حدثت مرَّة واحدة إلّا أن لها امتدادها من خلال الرسل إلى العالم إذ قد سبق وأَظهَر لنا المسيح ذاته في معموديته وفي العشاء السرِّي ليرشدنا إلى كيفية السير على خطاه في شركة خلاصية في عمله الخلاصي. وعلَّمنا أن هذه الحياة تعاش من خلال أسرار الكنيسة والمعمودية وسرّالشكر الإلهي، وأنها هي التي تجعلنا شركاء في الحياة الخلاصية والوصول إلى التألُّه بالنعمة.
إن المسيح بانتصاره على الموت وسحقه للعدو الأخروي،الذي يهدِّد الوجود البشري، سوف لن يعود ليعيش علىالأرض مرّة أخرى، وإنما سيصعد إلى عرش المجد ويجلس عن يمين الله الآب. وهذا يعني تألُّه البشرية التي كان قد اتخذها.
وبصعوده أعلن أن مستقبل البشرية هي البنوَّة لله، وبهذا يظهر المعنى الحقيقي لمعنى فحوى صلب وقيامة وصعودالرب يسوع المسيح.
لدى قراءة الإنجيل المقدس نلاحظ أنه قد حدثت قياماتلأموات أخَر قبل قيامة المسيح، مثل إقامة لعازر وآخرين،لكن قيامتهم لم تخلِّص أي إنسان، ولم يستطع أي إنسانأن يشاركهم بتلك القيامات، وحدوث هذه القيامات يعني أو يدل على قدرة الله (المسيح الإله) على إقامتهم من الموت.
إننا سنقوم في يوم القيامة العامة بسبب قيامة المسيحدون سواه، وأما تلك القيامات فقد كانت ناقصة وبعيدة كل البعد عن طبيعة قيامة المسيح، لذلك لم تمنح أيّاً منالبشر القدرة على الاشتراك بها. أما المسيح فبقيامته من الموت وبقدرته الذاتية الإلهية، قد أقام معه الجنس البشري بأكمله، وبالتالي منح إمكانية القيامة والحياة الأبدية لكل فرد من البشر وبشكل شخصي وحرّ.
حتى وإن كانت الشركة في آلام المسيح الموجِعة والشركة في قيامته تُمنَح للبشر من خلال الأسرار الكنائسية غير المؤلِمة، إلّا أن هذه الشركة لا تتم بشكل آلي و إجباري،وإنما يجب أن يكون قبولها نابعاً من الحريّة الشخصيّةوالفردية للإنسان.
في القيامة العامة سيقوم الجميع، ولكن ليس الجميعيدخلون الملكوت السماوي. كون أن النعمة الأسرارية التي تنبع من قيامة المسيح وتُقدَّم للطبيعة البشرية كعربون للملكوت، لا تُفرَض على الإنسان فرضاً قسرياً، وإنما هيتشترط قبولاً شخصياً من كل فرد يقرِّر عن نفسه.
إن إعادة خلق الطبيعة البشرية يجب أن تقود إلى التجديد الكامل لشخص الإنسان الذي يهدف إلى القيامةالمستقبلية، ولذلك على كل إنسان أن يبدأ ويتبنى حياة الجهاد النسكي كي يقتني ويحافظ على الإيمان بالمسيح يسوع. إن الدخول إلى الحياة الأبدية يشترط العمل المشترك ما بين: ممارسة الأسرار والحياة النسكية الجهادية الروحية.
في الحياة الأخرى والأبدية لن يحتاج أبناء القيامة إلى أيٍّ من ضروريات هذه الحياة الحاضرة، لأنهم سيستنيرون بمجد وكمال الطبيعة الإنسانية التي للمسيح، كما وتؤازرهم نعمة الروح القدس غير المخلوقة. والتي تعمل معنا منذ حياتنا على الأرض وتحوِّل طبيعتَنا المخلوقة إلى طبيعة روحانية في المسيح يسوع.
في الفترة التي ما بين صعود المسيح للسماء ومجيئه الثاني المجيد، يظل العمل الخلاصي فاعلاً في البشرية جمعاء، داعياً إياهم للخلاص، ولكن بشكل فردي لكل شخص على حدة، ومن خلال فعل وعمل المعزي (الروح القدس) الذي حلَّ في العنصرة، فإنه يقوِّي كل مؤمن، لأن قيامة وصعود المسيح ما هي إلا انفتاح للحياة الأبدية والعيش في الأخرويات. وهذه الحياة الأبدية يحياها الإنسان ويشترك بها بقوة الروح القدس.
إن حلول الروح القدس في العنصرة جعل المؤمنين يشتركون في حياة الله، بدءاً باشتراكهم في صلبه وآلامه وقيامته ثم بعد ذلك في حياة الثالوث، لأن المسيح قدخلَّص كل أعضاء جسده.
انتظار المعزي والدعوة للمشاركة الحرَّة في جسد المسيح
إن صعود المسيح يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحلول الروح القدس في يوم العنصرة، وهو يشكل استمرارية طبيعية لعمل المسيح على الأرض. إن مجيء المعزي هو من ضمن النتائج الخلاصيّة لسر التدبير الإلهي.
لقد أتم المسيح عمل التدبير الخلاصي من خلال تقديمه الطبيعة البشرية إلى الله الآب. ولكن بجذبهم إلى الملكوت الذي دخله كسابقٍ لهم، لا يعني أنه قد توقف عن العمل في العالم، لأن الصاعد والجالس عن يمين الآب لم يتخلَّى عنّا ولم يتركنا يتامى بل وعد بإرسال الروح القدس.
إن الله الابن بطبيعته الإلهية والإنسانية يشترك اشتراكاً كاملاً في الإرادة الثالوثية، فإن الابن المتجسّد يعمل مع الآب في إرسال الروح القدس، الذي هو أحد أقانيم الثالوث الأقدس، وهذا العمل يأتي من دافع طواعيته كأقنوم في هذا الثالوث.
إن متابعة الأحداث ما بين الصعود والعنصرة تعلن لنا أن حلول الروح القدس يرتبط ارتباطاً وثيقاً وغير منفصل عن عمل المسيح الخلاصي، ومن جهة أخرى تُظهِر الروح القدس للعالم.
يشرح لنا الآباء القديسون وبحسب لاهوت الكتاب المقدَّس:
* أن الله الابن المتجسد بحسب إرادة الله الآب، هو محور اتحاد الخالق بالمخلوقات. وهذا يتضح منذ بداية الخلق إذ “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.” (يو 1: 3).
* وأن أحداث الخلق والتجسد والقيامة، كلُّها تمت كعمل واحد للثالوث الأقدس.
يَظهر هنا عمل الرُّوح القدس الذي كان من منذ البدء مع الآب والابن، وفي كل مراحل العمل التدبيري. لذلك نرى الروح القدس يعمل مع الآب والابن بعد السقوط:
• من خلال الأنبياء.
• وفي الظهورات الإلهيَّة في العهد القديم، إذ عندما كان الابن غير متجسد بعد فإن الروح القدس هو الذي كان يُظهِر اللوغوس للأنبياء مهيِّئاً لمجيء المسيح.
• كما ويَظهر الروح القدس
• في بشارة مريم العذراء، ويعمل بها عندما “َأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَهَا: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، …” (لو 1: 35).
• وبعد إتمام سرّ التدبير الأبوي بصعود المسيح إلى السماء تُفتَح مرحلة جديدة في عمل الروح القدس،وهذه المرحلة يعمل فيها الروح القدس بتفعيل امتداد نتائج العمل التدبيري لبقية البشرية جمعاء من خلال جسد المسيح الذي هو الكنيسة.
• إن موعد الآب الذي وَعد به المسيح للبشر أن يصيرواورثةً كما هو الابن، يمتد من المسيح إلى التلاميذ من خلال حلول الروح القدس.
وإن كان التجسد قد أظهر المسيح حاملا للروح القدس،فإن عمل الروح القدس في الكنيسة لا يتمثل في إظهار أقنومه الخاص بل في التجلِّي الدائم للمسيح في كنيسته.
إن إرسال الابن شيء وإرسال الروح القدس شيء آخر.
إن “المعزي الآخر” الذي وعد المسيح بإرساله بعد صعوده سوف لن يكرِّر العمل الخلاصي الذي قام به المسيح، لأنذلك غير ضروري كون أن الخلاص قد تم، ومع ذلك فإن حضور الروح القدس وعمله غير المادي والديناميكي لسر التدبير الإلهي يمتد من خلال عمل الروح القدس في كلالبشرية، وبالتالي فإن الروح القدس يعمل من أجل حياة شركة البشر كلٌّ على حدة، ليوحِّدهم في الطبيعة الإنسانية المتألِّهة للمسيح.
إن صورة الكنيسة كجسد للمسيح هي من عمل الروح القدس.
إن المسيح الواحد من خلال عمل الروح القدس ينميجسده ليشمل الكثيرين، وأن العمل الخاص للروح القدس لا يعمل مع البشرية بشكل عام فقط، ولكن أيضاً يعمل مع كل إنسان على حدة وبشكل خاص، داعياً إياهم ومحفزاً لهم من خلال مشاركة الأفراد المسيحيين مع بعضهم البعض في هذه النعمة، إنهم يتَّحدون معاً في جسد المسيح الواحد.
ان الاشتراك الشخصي في الجسد المتألِّه للمسيح يُعتبرهو العمل الأساسي للروح القدس في الكنيسة. ومن خلال الروح القدس يتخطى البشر محدوديتهم الفردية وانقساماتهم الشخصيّة ويتّحدون معاً في علاقة واحدة متجسدة في شركة جسد المسيح.
إن الحضور الدائم والمستمر للمعزِّي (الروح القدس) يجعل جماعة المؤمنين في الكنيسة لهم عضوية حية تنمو بنعمة المسيح. فحلول الروح القدس في العنصرة شكَّل المعمودية كحدث تأسيسي للكنيسة وكامتداد للنعمة في سر المسيح.
إن حياة المسيح هي حياة الروح القدس الذي يعمل في أسرار الكنيسة، وهذه تجعل المسيح حاضراً وفاعلاً في حياة الكنيسة فمن خلال الروح القدس يعود المسيح ليحضر في الكنيسة ولكن بطريقة أخرى أي بالحضور الاسراري.
إن سر المسيح وميراثه في الكنيسة هو نفسه حضور الروح القدس بنِعَمِهِ في الكنيسة، وهو الذي يبني الكنيسة بشكل مستمر ويعمل أيضاً في كل شخص من المؤمنين. آمين
الأيكونومس الدكتور إبراهيم دبور
التاريخ: 06/04/2026











