حين يعانق الحبّ الأبدية
بين عيد الحُب وسبت الراقدين … القيامة هي الجواب
ليس من المعتاد أن يجتمع هذان اليومان معًا. فموعد سبت الراقدين يتبدّل بحسب الدورة الليتورجية المرتبطة بالفصح، بينما عيد الحب ثابت في تاريخه المدني. لذلك لا يلتقيان كل عام، بل نادرًا ما يحدث هذا التقاطع. أمّا في هذا العام، فقد التقيا. وقد يبدو الأمر صدفة زمنية، لكن الإيمان لا يقرأ الزمن كأرقام، بل كفرص إعلان. حين يجتمع يوم يتكلم عن الحب، ويوم يتكلم عن الموت، لا يكون السؤال عن التوقيت، بل عن المعنى: ماذا تريد الكنيسة أن تقول لنا عن الحب حين تضعه وجهًا لوجه أمام الأبدية؟
العالم يحتفل بالحب كحالة شعورية. يُعرّفه كإحساس دافئ، كارتباط عاطفي، ككلمات جميلة تُقال تحت ضوء خافت. لكن اللاهوت الأرثوذكسي لا يبدأ من الشعور، بل من الكينونة. الحب ليس انفعالًا في القلب، بل قرار وجودي بالخروج من الذات. ليس لحظة امتلاك، بل مسيرة بذل. الحب، في جوهره المسيحي، هو حركة دائمة من “أنا” إلى “أنت”، ومن “أريد” إلى “أعطي”.
وهنا تظهر خطورة التحريف المعاصر: لقد تحوّل الحب في ثقافتنا إلى حالة استهلاك. صار يُقاس بما يقدّمه لي الآخر من إشباع، لا بما أقدّمه له من تضحية. صار معيار العلاقة: هل أشعر بالرضا؟ لا: هل أنا مستعد أن أبذل؟ هذا التحول يجعل الحب هشًّا، مرتبطًا بالمزاج، ومهددًا عند أول ألم. أمّا في المسيحية، فالحب يُقاس بمدى قدرته على الاحتمال، على الصبر، على الثبات. هو فعل عطاء حتى حين يتراجع الشعور، وقرار أمانة حتى حين تعبر التجارب.
لهذا يرتبط الحب في الإيمان بالصليب. فالصليب ليس حادثة ألم فقط، بل إعلان أن المحبة الحقيقية تُعطى لا تُستهلك. المسيح لم يحبنا لأننا نُرضيه، بل أحبنا حتى حين كنّا بعيدين. الحب الإلهي لم ينتظر مقابلاً، بل بادر بالعطاء. ومن هنا نفهم أن أي علاقة تريد أن تبقى، يجب أن تُبنى على هذا المنطق: منطق البذل لا المنفعة، منطق التضحية لا المصلحة.
ومن أعمق تجليات هذا الحب الباذل هو سرّ الزواج المقدس. الزواج في الكنيسة ليس عقدًا اجتماعيًا ولا إطارًا شرعيًا لمشاعر، بل سرّ إلهي يُدخِل رجلًا وامرأة في أيقونة حب المسيح للكنيسة. العلاقة الزوجية ليست مشروع راحة متبادلة، بل طريق قداسة مشتركة. هي مدرسة يومية يتعلم فيها الاثنان كيف يموت كلٌّ منهما عن أنانيته ليحيا الآخر. ليست قائمة على حرارة عاطفة عابرة، بل على أمانة ثابتة تتجدد كل يوم. وعندما يُفهم الزواج بهذا العمق، يتحرر من سطحية الاستهلاك، ويصير شركة خلاص.
وحين ننتقل إلى سبت الراقدين، يتّضح البعد الأبعد للحب. لأن الحب الذي يقوم على التضحية لا ينكسر أمام الموت. في هذا السبت، لا نمارس ذكرى عاطفية، بل نعلن إيمانًا كنسيًا عميقًا: أن العلاقة في المسيح لا تُلغى بالموت. نحن لا نذكر الراقدين لأنهم كانوا معنا، بل لأنهم ما زالوا في جسد المسيح الحي. الموت، في منظور القيامة، ليس قطيعة، بل عبور. والحب الذي تأسس في المسيح لا ينتهي عند حدود التراب، بل ينتظر اكتماله في الملكوت.
وهنا تكمن الرسالة الأعمق في اجتماع العيدين هذا العام. الحب إن بقي في إطاره السطحي، سيخاف من الموت. أمّا إذا تأسس على البذل والقيامة، فسيعبر الموت. الحب الذي يبحث عن لذته ينتهي عند أول خسارة. أمّا الحب الذي تعلّم من الصليب، فيبقى. لأن قيمته لا تأتي من إحساسه، بل من جذره الإلهي.
في هذا العام التقيا، وربما لن يلتقيا قريبًا مرة أخرى. لكن اللقاء لم يكن دعوة للاحتفال السطحي، بل لإعادة تعريف الحب. أن نسأل أنفسنا: هل نحبّ لنأخذ أم لنعطي؟ هل نبني علاقاتنا على الإحساس أم على الالتزام؟ هل نرى في الزواج سرّ قداسة أم مجرد إطار اجتماعي؟ وهل نؤمن أن المحبة أقوى من الموت فعلًا، أم نقولها كشعار فقط؟
حين يعانق الحب الأبدية، يتحرر من الاستهلاك ويصير ذبيحة. يتحرر من الخوف ويصير رجاء. يتحرر من الزمن ويصير شركة لا تزول. عندها فقط نفهم أن الحب الحقيقي ليس احتفالًا ليوم، بل مسيرة حياة؛ ليس لحظة شعور، بل قرار عطاء؛ ليس علاقة تخاف القبر، بل علاقة ترى فيه بابًا نحو لقاء أعظم.
وهنا، في عمق القيامة، يثبت الجواب: الحب الذي يُعاش كبذل، ويُختَبَر كأمانة، ويُؤسَّس على المسيح، لا ينهار أمام الموت… بل يمتدّ إلى الأبد











