بيت لحم… حين يشرق الميلاد الحقيقي بعيداً عن ضوضاء الكريسماس الدعائي
مقال بقلم: هبه هريمات | 7 يناير 2026
قبل أن يصبح عيد الميلاد موسمًا عالميًا لإضاءة الأشجار والزينة وإقامة البازارات وتبادل الهدايا، كان مجرد ليلة واحدة في حظيرة متواضعة ببلدة صغيرة؛ على بساطة المكان كان عظيما بما فيه الكفاية لتلتقي فيه الأرض بالسماء لتغير مسار تاريخ البشرية للأبد. والنجمة التي قادت الرعاة والملوك منذ أكثر من ألفي عام تشع من جديد لتنير ميلاد السيد المسيح ليس مرة بل ثلاث في أطول زمن ميلادي في العالم ليشمل التقويمات الثلاث.
هنا، في مهد المسيح، عيد الميلاد ليس مجرد عطلة؛ بل إرث حي يتنفس. إنه زمن يمتد عبر التقويمات والثقافات والقرون، ليتردد صداه عبر الأزقة الحجرية الضيقة للمدينة القديمة لبيت لحم وبساتين الزيتون الممتدة منها عبر التلال.
مع عودة مواسم الأعياد والاحتفالات هذا العام، عادت بيت لحم مرة أخرى كمنارة للأمل. فخلال عيد الميلاد في 25 ديسمبر حسب التقويم الغربي، تجمع الحجاج من جميع أنحاء العالم وسكان المدينة والجوار في ساحة المهد، وأبخرة أنفاسهم تتصاعد في الهواء، ممزوجة بأناشيد الجوقات ودقات الأجراس القديمة. لكن زمن المجيء لم ينته بعد. ففي الأراضي المقدسة، يتواصل عيد الميلاد على شكل موجات، فالاحتفال الثاني في 7يناير للكنيسة الأرثوذكسية ومرة أخرى في 19 يناير للكنيسة الأرمنية الرسولية. وكما أن كل تاريخ له طقوسه الخاصة، كذلك تكون له مجموعة معانيه وألحانه الخاصة.
إن المشاركة بعيد الميلاد في بيت لحم هو بمثابة الرجوع بالزمن الى القصة التي بدأت قبل أمدٍ طويل من ولادة أيٍ منا، وتستمر لفترة أطول بعد أن تزول زينة الميلاد وأسواق “الكريسماس” في باقي مدن العالم.
بيت لحم، المدينة الصغيرة، التي قد لا يتجاوز تعدادها السكاني 32.000نسمة، مكانتها التاريخية تحفر أثراً مضاعفاَ في مخيلة العالم. لأنه بالرغم من أن سكانها قد يتسعون في ملعب كرة قدم واحد، لكن ثقلها الروحي هائل. فنجد أن كنيسة المهد، التي بُنيت بالتحديد فوق الكهف الذي ولد فيه الطفل يسوع، وتأوي أسفلها العظام المتآكلة والجماجم للأطفال الأبرياء الذين تَسَّلق لِنَحْرِهم سيف الملك هيرودس ليمنع ولادة السيد المسيح، هي واحدة من أقدم الكنائس الحية على الأرض. أبوابها الخشبية الثقيلة قد صقلتها عوامل الزمن وتنفتح لتؤدي لطريقٍ من مصابيح الزيت المتلألئة وما ترسمه من هالات ضوئية تتذبذب لتنير أطراف لوحات الفسيفساء القديمة من القرن السادس على جانبي جدران الكنيسة.
كان لعيد الميلاد هذا العام في بيت لحم أهمية خاصة. فالعالم يشعر بعدم اليقين في نواحٍ عدة، والأراضي المقدسة التي غالبًا ما تكون مرآة للتوترات العالمية، تمر بواقع مشابه. ومع ذلك، تمتع سكان بيت لحم بقدرة رائعة على تحويل المصاعب والانقباض الاقتصادي إلى كرم الضيافة، وابراز الفرح بدل الحزن وقلة الحيلة.
ففي ليلة عيد الميلاد حسب الطقس الغربي، دخل موكب البطريرك اللاتيني بيت لحم برفقة الكشاف الذين يعزفون على الطبول والقربة، وهي تقليد يمزج بين الثقافة المحلية وأصداء تاريخ الانتداب البريطاني. ومرُّوا بين الحشود المصطفة على جانبي الطريق، ملوحين بالأعلام وأغصان الزيتون. ثم أكمل الموكب طريقه إلى ساحة المهد، حيث تجمع الآلاف لمشاهدة إضاءة الشموع وغناء الترانيم بعشرات اللغات وارتفعت أصوات الجوقة كصلاة تخترق سماء الليل، حاملة معها آمال الملايين الذين لم يتمكنوا من الحضور.
في الخارج، تجمع الحجاج والسكان المحليون معًا، ليتبادلو القصص والشاي ودفء العلاقات الإنسانية. سافر البعض من أماكن بعيدة مثل أمريكا الجنوبية وأفريقيا وشرق آسيا. بينما جاء آخرون من القرى المجاورة، سائرين على نفس الطرق التي سار عليها أسلافهم من قبل. بالنسبة للكثيرين، كان احتفال هذا العام بمثابة تذكير أنه حتى في أوقات عدم اليقين، تظل بيت لحم منارة للوحدة.
ربما ما يجعل عيد الميلاد في الأراضي المقدسة فريدًا من نوعه هو طول مدته. في حين أن معظم دول العالم تزيل الزينة قبل حلول العام الجديد، تواصل بيت لحم احتفالاتها حتى شهر يناير.
ففي 7 يناير، تستيقظ المدينة مرة أخرى، ولكن هذه المرة على أصوات الترانيم البيزنطية. فتحتفل الطوائف الرومية الأرثوذكسية والقبطية والسريانية الأرثوذكسية بعيد الميلاد وفقًا للتقويم اليولياني. مما يعطي الفرصة للعديد من الزوار على تجربة التقاليد المسيحية كما كانت تمارس قبل قرون وكأنهم قد دخلوا كبسولة زمنية.
في صباح يوم 6 يناير، تبدأ بطريركية الروم الأرثوذكسية المقدسية موكبها المهيب برئاسة غبطة بطريرك الروم الأرثوذكس ثيوفيلوس الثالث من القدس إلى بيت لحم. حيث يرتدي شبان وفتيات الكشافة الزي التقليدي الخاص بهم ويحملون الرايات والطبول والقربة وهم يرافقون رجال الدين، في تكرار لتقليد يمزج التراث المحلي مع قرونٍ من الطقوس المسيحية.
مع دخول الموكب إلى بيت لحم، تتجمع الحشود على طول شارع النجمة، الطريق القديم الذي يُعتقد أن القديسة مريم وخطيبها العفيف يوسف سارا عليه. وبأسلوب محاكي يبدأ سير رجال الدين بثيابهم القرمزية والذهبية اللامعة ببطء نحو كنيسة المهد.
جوهر عيد الميلاد الأرثوذكسي هو صلاة الفجر والقداس الإلهي، الذي يُحتفل به في الكاثوليكون في كنيسة المهد. إنها خدمة لا تشبه الاحتفال المعتاد بقدر ما تشبه إعادة الموروث الديني للحياة. الترانيم قديمة، بعضها يعود إلى القرون الأولى للمسيحية. والألحان عميقة ورنانة، تكاد تخطف الأنفاس. وتملأ فضاء الكنيسة لتهتز عبر الجدران الحجرية والأرضيات الرخامية وحتى الحجاج أنفسهم لتندمج مع أعمدة البخور ودخان شموع العسل.
أثناء القداس، ينزل البطريرك والكهنة إلى مغارة المهد، المكان الذي ولد فيه السيد المسيح ووضع في مذود القش الصغير المتواضع. هذا العام، رافق البطريرك ممثلون عن اليونان والأردن وفلسطين، مما يؤكد الأهمية الدبلوماسية والروحية لهذا الحدث الديني السنوي.
حول النجمة الفضية أسفل الكهف يتجمع الحجاج للعودة بالزمن للمكان التي انبثقت فيه الحياة وسر التجسد، مكان الميلاد. يبكي الكثيرون، يركع الجميع بينما يقف البعض في ذهول. إنها لحظة يختلط فيها الزمن، حيث لا يبدو الميلاد قصة من الماضي، بل حقيقة تتكشف ملامحها في الحاضر.
بعد اثني عشر يوماً، تحتفل بيت لحم بعيد الميلاد مرة أخرى، وهي الثالثة والأخيرة لهذا الموسم، بحسب تقويم الكنيسة الأرمنية الرسولية، وتبدأ بموكب مشابه للسابقين يقوده البطريرك الأرمني من القدس إلى بيت لحم، حاملًا معه بركة الماء المقدس. بانتهاء هذا الاحتفال يصل موسم أعياد الميلاد في مدينة الميلاد لنهايته، مذكراً الزائرين بأن عيد الميلاد في الأراضي المقدسة ليس يوماً واحداً بل رحلة.
هناك طابع كوني لبيت لحم، إحساس بأن الزمن ينطوي على نفسه هنا. كأن الماضي والحاضر يتعانقان. قصة الميلاد لا تقتصر على الكتاب المقدس أو التقاليد؛ بل هي محفورة في طبوغرافيا المدينة، التلال المحيطة بها هي نفس التلال التي كان الرعاة يراقبون قطعانهم منها. السماء الليلية، غير الملوثة بناطحات السحاب أو أضواء النيون، تكشف عن الأبراج الحجرية التي قادت المسافرين لآلاف السنين. تهمس بها رياحها ويحمل هوائها رائحة الصنوبر واللّبان وحجر الأزقة، لتنعكس في عيون الحجاج الذين يأتون اليها بحثًا عن معنى.
غالبًا ما يصف الزوار الذين يزورون بيت لحم خلال عيد الميلاد هذه التجربة بأنها تجربة تحويلية. ليس عظمة الاحتفالات هي ما تحركهم، على الرغم من جمال المواكب والطقوس الدينية؛ بل حميمية المكان. هنا، الإيمان ليس مجردًا. إنه ملموس. يمكنك لمس الحجارة التي صقلتها قرون من العبادة. يمكنك سماع الصلوات بعشرات اللغات تمتزج في همهمة واحدة. يمكنك السير في نفس الشوارع الضيقة التي سار فيها مريم ويوسف ذات ليلة، وحتى الخشب المنحوت في أسواق المدينة يحمل بصمة أحفاد يوسف النجار.
بالنسبة للكثيرين، هذه الرحلة هي عودة إلى جذور هويتهم الروحية. بالنسبة لآخرين، هي حج ثقافي وفرصة لمشاهدة تقليد حي شكل التاريخ العالمي. أما للبعض، هي الرغبة في الوقوف في المكان الذي التقى فيه البشري بالإلهي ذات يوم.
من قلب بيت لحم الصغيرة المضيئة الأبدية، التي تنتظر عودة حجاجها بأذرعٍ مفتوحة.. ميلاد مجيد!











