القيامةُ من بعد موتٍ

ها قد بلغنا الأربعينَ المغبوطةَ وسندخُلُ مرحلةَ آلام الربِّ الخلاصيّةَ ونعاينَ قيامتَه المجيدة. لكنّ معظمنا، من بعد جهادِه الخمسينَ المبارَكَة لا يصلُ لمعاينةِ قيامة الرّبّ! نواظبُ على الصّلواتِ المسائيّةِ اليوميّة وصلواتِ الأسبوع العظيم ولا نبلغُ المُراد. نشاركُ في قدّاسِ الفصحِ ونرتّلُ بفرحٍ وابتهاجٍ “المسيحُ قام” ومع ذلك لا نعاينُ قيامتَه. جاهدنا وصُمنا وتعِبنا لنصلَ إلى معاينةِ قيامتِه، ولم نفعل!
خلال ذلكَ الأحد من بعد القيامةِ أتتِ النسوةُ، والمجدلية، وبطرس ويوحنا، ولم يرَوْا الرّبّ الناهضَ من بين الأموات، فقط مكانَ رقادِه الخالي في القبر. وبقيت حقيقةُ القيامةِ خافيةً عليهم. وهذا بالضّبطِ ما يحصلُ مَعَنا. علينا بعدُ أن نجتمع مع التّلاميذِ عشيّةَ ذلك اليوم.
ففي مساءِ يومِ القيامةِ نجتمعُ في الكنيسة في صلاةِ غروبٍ خاصّةٍ تسمّى أيضًا “صلاةَ المحبّة” حيثُ (وخلافًا لصلواتِ الغروب) نقرأ مقطعَ الإنجيلِ أدناه.
“۱۹ وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ! ۲۰ وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ. ۲۱ فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا. ۲۲ وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. ۲۳ مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يوحنّا 20: 19- 23).
هنا، وفقط مساءَ ذلك اليوم، وأيضًا مساءَ يومِنا هذا، تحقّقَ التّلاميذُ من قيامةِ الرّبّ إذ شاهدوه بينهم حاملاً آثارَ فدائِه. الأمرُ لا يقتصرُ على معاينة الرّبِّ إنّما كذلك ما عمِلَه الرّبُ.
“نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ”.
بهذه النّفخةِ، جدّدَ الرّبُّ الخليقة، أعادَ الخلقَ من جديد، أوَليس بالقيامةِ تجدّدَتِ الخليقةُ كما نقول في ليتورجيّاتِنا؟ “ها أنا أصنعُ كلّ شئ جديدًا”، هي ذاتُ النّفخةِ التي بها أحيا آدمَ الأوّل “ونفخَ في أنفِه نسمةَ حياةٍ – كما في التّكوين”. ليس ذلك فقط إنّما أعادنا إلى رتبةِ خلقِنا الأولى، على صورةِ ومِثال خالِقِنا. فمن يقدرُ أن يغفرَ الخطايا إلا الله وحده؟ ” أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ تُدعَون” (مزمور 81: 6 – السبعينية)
ونحن، ما كنّا نصنعُ في تلك الأربعين؟ تقولون كنّا نصوم. هل يهتمُّ الرّبُّ إن امتنعنا عن المآكلِ؟ بالأحرى كنّا نموت. نعم، كنّا نموتُ عن معاصينا وآثامِنا وخطايانا، ونتذلّل للرّبِّ أن يرحَمَنا، وقد آنَ الأوان لأن نقوم من موتِنا، أن يخلُقَنا الرّبُّ من جديد، بالتّحديدِ كما فعل مع التّلاميذ.
هذه “النّفخة” هي ذاتُها التي نفخَها الرّبُّ في البَدءِ، ممّا يُثبِت أنَّ قصّة الخلقِ ليست روايةً أو من نتاج الأساطير إنّما الحقيقةُ بأبهى معانيها. ففي سِفرِ الأمثال، نقرأ ” لَمَّا ثَبَّتَ السَّمَاوَاتِ كُنْتُ هُنَاكَ … أنا كنتُ مع الله منذ الأزلِ قبل خلق العالم … وأنا كنتُ عندهُ خالقًأ” (أمثال 8 : 22 -30).
فلا نضيِّعَنَّ علينا هذه الفرصةَ ولنجتمعَنّ في صلاة الغروب هذه، إذ لا بدَّ للقيامةِ أن تبزُغ من بعدِ موتٍ.
المسيح قام

الأب الياس بركات

Reviews

100 %

User Score

1 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *