التعليم طريق قداسة وشفاء
مقال موجّه إلى المعلّمين والطلاب بمناسبة عيد أقمار الكنيسة الثلاثة
في عيد الأقمار الثلاثة، لا تتوقّف الكنيسة عند إحياء ذكرى ثلاثة آباء عظام، بل تكشف أمامنا سرّاً عميقاً سرٍّ تربويٍّ عظيم: أن المعرفة، حين تتقدّس، تصير نوراً، وحين تتواضع، تصير طريق خلاص. هكذا عاشت الكنيسة خبرتها مع القديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس اللاهوتي والقديس يوحنا الذهبي الفم (الأقمار الثلاثة)، الذين لم يجعلوا من العلم مجداً، بل من المجد خدمة، ومن الكلمة دواءً للنفس، ومن العقل مذبحاً يشعّ بحضور الله.، الذين أضاءوا سماء التعليم واللاهوت، لا بعظمة الفكر وحده، بل بقداسة الحياة.
المعرفة في قلب الرؤية الكنسية
لا تفصل الكنيسة بين اللاهوت والحياة. فالمعرفة الحقيقية ليست تراكماً للمعلومات، بل دخولاً في علاقة مع “الحق الذي يحرّر”. ترى الكنيسة أنّ المعرفة ليست قيمة قائمة بذاتها، بل علاقة حيّة. لذلك يذكّرنا الرسول بولس قائلاً: «أمّا المعرفة فتنفخ، ولكن المحبة تبني» (1 كور 8: 1). ليست المشكلة في المعرفة، بل في المعرفة المنفصلة عن المحبة. عند القديس غريغوريوس اللاهوتي، لا يُسمَح للكلام عن الله إلا لمن يسعى إلى تطهير قلبه، لأن الله لا يُعرَف بالجدل، بل بالشركة، فلا يُثمِر التعليم إلا إذا اتّحد بالاتضاع.
في هذا المنظور، يتحرّر التعليم من منطق السيطرة والإنجاز الأجوف، ويصير مساحة نموّ للإنسان. المعلّم لا يعلو فوق طلابه، بل يسير أمامهم شاهداً للحق، هنا، يتعلّم المعلّم أن سلطته ليست في السيطرة، بل في الشهادة، ويتعلّم الطالب أن قيمته لا تُقاس بالنتائج، بل بالأمانة. وألا يُختزل في علامة، بل يُحتضن كشخص مدعوّ إلى النضوج.
البعد النفسي: شفاء الداخل قبل بناء الخارج
إنّ واقع التعليم اليوم يكشف هشاشة نفسية متزايدة: قلق الامتحانات، ضغط التوقّعات، خوف الفشل، وشعور دائم بالمقارنة. هنا يقدّم لنا الآباء، وبخاصة القديس يوحنا الذهبي الفم، رؤية شافية: التربية الحقيقية تبدأ من القلب. فالفكر المضطرب لا ينتج معرفة سليمة، والنفس المثقلة لا تستطيع أن تتعلّم بفرح.
يقول الرسول بوضوح: «ألقوا عليه كل همّكم، لأنه هو يعتني بكم» (1 بط 5: 7). حين يتعلّم الإنسان أن يسلّم همّه لله، يتحرّر من الاستنزاف الداخلي، ويستعيد صفاءه. عندها تتحوّل الدراسة من عبء خانق إلى مسيرة اكتشاف، ويتحوّل التعليم من مصدر ضغط إلى مساحة رجاء.
التعليم كخدمة خلاص
يربط القديس باسيليوس الكبير العلم بالفضيلة ربطاً لا انفصام فيه. فالعلم، إذا لم يتّحد بالزهد والمحبة، قد يصير عبئاً على النفس، بل سبباً للغرور والانغلاق. أمّا إذا تواضع وتقدّس، صار خدمة خلاص. في هذا الإطار، المعلّم هو خادم للنور، لا مالك له؛ يفتح الأبواب ولا يحتكر المعنى. والطالب هو مشروع قداسة، لا مشروع نجاح دنيوي فقط.
هكذا يصبح الصفّ مكان لقاء إنساني عميق، حيث تُبنى الشخصية بقدر ما تُبنى المعرفة، ويُصاغ الضمير بقدر ما يُصقل العقل.
العائلة المسيحية: الجذر الأول للتربية
قبل المدرسة والجامعة، هناك بيت العائلة المسيحية. في هذا البيت تتشكّل أولى الصور عن الله، وعن الذات، وعن الآخر. صلاة بسيطة قبل النوم، كلمة إنجيل تُقرأ بهدوء، بركة تُعاش في العلاقات اليومية—كلّها تصنع مناخاً نفسياً وروحياً يزرع الطمأنينة في قلب الطفل والشاب.
العائلة التي تعيش إيمانها بهدوء، دون وعظٍ قاسٍ أو مثالية خانقة، تعطي أبناءها أعمق ما يحتاجونه: الشعور بالأمان والمعنى. عندها لا يعود النجاح صنماً، ولا الفشل نهاية، بل محطة في مسيرة نضوج تحت نظر الله.
منهج الأقمار الثلاثة: وحدة العقل والقلب
ما يجمع الأقمار الثلاثة ليس غزارة الإنتاج اللاهوتي فحسب، بل هذا الانسجام العجيب بين الفكر والحياة. اللاهوت عندهم صلاة ناطقة، والتعليم رعاية، والكلمة دواء. لم يفصلوا يوماً بين التعليم والشفاء، ولا بين الحقيقة والرحمة. بهذا المعنى، يقدّمون للكنيسة في كل زمان منهجاً متكاملاً: أن نربّي الإنسان كلّه، لا جزءاً منه.
إرشادات رعوية بسيطة وعميقة
• للمعلّمين: ليكن بدء كل يوم بصلاة صامتة: «يا رب، أنِر عقلي وقلب طلابي». التعليم فعل محبة قبل أن يكون مهنة.
• للطلاب: قدّموا جهدكم بأمانة، واتركوا النتائج بين يدي الله. الفشل لا يُلغي القيمة، بل يكشف طريق التعلّم.
• للعائلة: اجعلوا للإنجيل مكاناً ثابتاً في اليوم، ولو لدقائق. هذا الثبات الصغير يصنع سلاماً كبيراً.
كلمة ختام ورجاء
في عالم تتسارع فيه المعلومات وتقلّ الحكمة، يعيدنا عيد الأقمار الثلاثة إلى الجذور: إلى معرفة تُنير ولا تُعمي، وتبني ولا تُثقِل. حين يتّحد العقل بالمحبة، ويُشفى القلب بالرجاء، يصير التعليم طريق قداسة، وتتحوّل البيوت والمدارس إلى منارات نور.
“أيها المسيح، يا حكمة الله، أنِر عقول المعلّمين والطلاب، اشفِ قلوبهم بسلامك، وبشفاعات الأقمار الثلاثة قُدنا إلى معرفةٍ تُحيي ولا تُتعب، وتُخلّص ولا تُكبّر. آمين.”
ليبارك الربّ المعلّمين والطلاب،
ولتكن شفاعة الأقمار الثلاثة حارساً لعقولنا وقلوبنا،
ولتظلّ العائلة المسيحية ينبوع تربية وإيمان.
الشماس المتوحد خريسانثوس صنوبر
عمان في 12/02/2026 مسؤول بيت العائلة المسيحي











