التآخي بين المسيحيين و المسلمين

بسم الله الواحد الذي خلقنا جميعاً

نحن نشعر بأننا من هذه الأرض، من تراب هذا المشرق العظيم، وبالتالي نحسّ أننا مقيمون في أخوّة مع المسلمين. وإن التعبيرين «نشعر» و«نحس» يهدفان إلى لفت الانتباه للعفوية والتبلور الطبيعي غير المصطنع في عملية التحاور. فنحن لا نستخدم كلمة «حوار» بقدر ما نستخدم كلمة «أخوّة» مع المسلمين.

وبذلك، فإنّ حياتنا المشتركة تقوم على قبول الآخر والعيش معه على هذه الأرض. وبالتالي، فإننا نعيش معاً ونلتقي بالآخر وجهاً لوجه، متجنبين المجابهة، لأنّ المجابهة هي حوار عقيم لا يؤدي إلى نتيجة. أما المواجهة، فهي أن نعيش معاً وجهاً لوجه، إذ تنطلق المواجهة من مفهوم الأخوّة، لأننا نعترف جميعاً بالله الواحد خالقنا أجمعين وهو المهيمن على الجميع.

فالمواجهة تستدعي فتح القلوب بعضها إلى بعض لكي يستقر الله فيها، وتنبع من مفهوم الأخوّة الإنسانية والوطنية، وترفض الحقد والعنف الوحشي المدمر. وإن انفتاح القلوب يتيح مكاناً يسكن فيه الحق ويطمئن إليه الإنسان، فالنفس الإنسانية تتوق إلى الوحدة بعد أن اختبرت شدة التنافر ورهبة العزلة. ومن الجوانب السلبية استخدام الدين سياسياً، وتطويعه لخدمة المصلحة والرغبة في السيطرة على الآخر وإخضاعه أو استقصائه.

عندما تتصفح ما يقوله الغرب عن إسلام الشرق الذي نعيش فيه، تجدهم يخطئون في فهمه، إذ يعتبرونه قابعاً في الخطاب الإنشائي والبلاغي دون قدرة حقيقية على الاعتماد على العقل العلمي. ويُقال أيضاً إن العقل الفلسفي والنقدي في الإسلام قد غُيّب بعد الغزالي، وبذلك يعتبرون أن المسيحية تعيش في حزن تحت ظل الإسلام منذ أربعة عشر قرناً. وبعض المسيحيين الغربيين يرون في ظهور الإسلام عقاباً للمسيحيين بسبب انشقاقاتهم. وبالمقابل، نجد أن بع  الأحداث، مثل الحروب الصليبية، قد تركت آثاراً سلبية في نفوس المسلمين تجاه المسيحيين. هذه صور من الماضي.

‏إن العيش المشترك يتم اختباره كل يوم بعفوية بين أهل الديانتين، وخاصةً بين المسلمين والمسيحيين العرب. فالمسيحيون العرب أصبحوا أداة تواصل مع المسلمين، لأنهم يعرفون القرآن ويستمعون إلى خطبة الجمعة، ويحيون الحياة الاجتماعية الموحدة. وهذا ما نراه في النهضة العربية في القرن التاسع عشر، وظهور الكثير من العلماء والأدباء المسيحيين الذين دافعوا عن لغة القرآن، مثل نصيف وإبراهيم اليازجي، والذين شاركوا عبد الرحمن الكواكبي في الانتقال من عصر الانحطاط إلى النهضة.

فالذاكرة السيئة تستشفّ ذاكرة الصالحات، والعقل في موضوعيته الجافة، إذا نزل إلى القلب المحب، يتجاوز نفسه، فنصير حين النظر في وجه الآخر نرى فيه وجه الله المُحِب والذي نحيا في كنفه، فنبادله ذاك الحب النقي، وفي هذه الحالة تصبح علاقتنا دائماً مع بعضنا البعض علاقة ثلاثية: أنا وأنت والله ثالثنا. 

لذلك فنحن نسعى إلى التلاقي الوجداني، كبشرٍ في مساواة كاملة، وبذلك علينا اعتماد لغة السماء في التخاطب مع الآخر، والدعوة إلى الاحتراق بالحب الإلهي، لكي يصبح المؤمن منارة دائمة تجعله يعشق الآخر من خلال الله المحب. وهكذا، عندما تتوحد نفوسنا بالله، نصبح مؤمنين ونتحرر من سجن العقل والتحليل والاتهامات الباطلة، وبذلك نتجه نحو محبة الآخر. ان المواطن المسيحي الذي يعيش في الشرق قد تقاسم مع أخيه المسلم آلام وويلات الحروب التي لم تميز بين مسلمٍ ومسيحي، فقد عشنا معاً واجتزنا كل الشدائد والمحن معاً، وأصبحنا أمةً واحدةً بعون الله.

من هنا نرى الأردن بلداً للوئام والمحبة والأخوّة والتعقّل والمسامحة وقبول الآخر، تحت رعاية الهاشميين، حيث يُعطي الجميع كافة الحقوق ويُحفّزهم على القيام بواجباتهم تجاه الوطن. ومن هنا، يُعتبر الأردن نموذجاً يُحتذى به في إبراز الفضائل المشتركة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمعروف مشترك بين المسيحية والإسلام، وكذلك المنكر. ومن هنا تنطلق رسالة عمّان لتعلّم العالم بأسره الاعتدال والوسطية وقبول الآخر والعدل والمساواة والمحبة الأخوّية. نشكر الله على نعمه، وبالأخص الأمن والأمان في بلدنا، وجميعنا مجتمع أردني واحد، وسنبقى أوفياء للأسرة والنهج الهاشمي.

آمين.

Reviews

10 %

User Score

1 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *