رُؤْيَةٌ أُرْثُوذُكْسِيَّةٌ فِي قَبُولِ الآخَرِ
الخِطَابُ الدِّينِيُّ الأَعْمَى:
مِنَ التَّعَصُّبِ إِلَى نُورِ المَحَبَّةِ حَتَّى المَوْتِ دُونَ مُقَابِلٍ
رُؤْيَةٌ أُرْثُوذُكْسِيَّةٌ فِي قَبُولِ الآخَرِ
الإيكونوموس د. بشارة دحابره
لَيْسَ الإِيمَانُ المَسِيحِيُّ الأُرْثُوذُكْسِيُّ دَعْوَةً إِلَى تَعْطِيلِ العَقْلِ أَوْ إِخْمَادِ السُّؤَالِ، بَلْ هُوَ – كَمَا يَصِفُهُ الرَّسُولُ بُولُس – عِبَادَةٌ عَاقِلَةٌ نَابِعَةٌ مِنْ عَقْلٍ مُسْتَنِيرٍ بِالنِّعْمَةِ، لَا مِنْ جُمُودٍ أَوْ تَعَصُّبٍ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ كُلَّ خِطَابٍ دِينِيٍّ يَتَحَوَّلُ فِيهِ الإِيمَانُ إِلَى جُمُودٍ يُقْصِي الآخَرَ وَيُعَطِّلُ التَّمْيِيزَ، إِنَّمَا هُوَ انْحِرَافٌ عَنْ جَوْهَرِ الإِيمَانِ نَفْسِهِ، لَا تَعْبِيرٌ أَصِيلٌ عَنْهُ.
“عِبَادَةً عَاقِلَةً” (رُومِيَة ١٢: ١)
أَوَّلًا: الغَيْرَةُ بِلَا مَعْرِفَةٍ — تَشْخِيصُ الدَّاءِ
يَصِفُ الرَّسُولُ بُولُس هَذَا الدَّاءَ بِدِقَّةٍ حِينَ يَقُولُ عَنْ أَصْحَابِ الحَمَاسِ الدِّينِيِّ الأَعْمَى إِنَّ لَهُمْ غَيْرَةً لِلهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ حَسَبَ المَعْرِفَةِ. فَالغَيْرَةُ – وَإِنْ بَدَتْ تَقْوًى ظَاهِرَةً – قَدْ تَكُونُ فِي حَقِيقَتِهَا قَسْوَةَ قَلْبٍ إِنْ خَلَتْ مِنَ التَّمْيِيزِ الرُّوحِيِّ.
“لَهُمْ غَيْرَةٌ لِلهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ حَسَبَ الْمَعْرِفَةِ” (رُومِيَة ١٠: ٢)
وَقَدْ حَذَّرَ الرَّبُّ يَسُوعُ مِرَارًا مِنَ الفَرِّيسِيَّةِ، أَيِ التَّمَسُّكِ بِحَرْفِيَّةِ النَّامُوسِ مَعَ إِغْفَالِ أَثْقَلِ مَا فِيهِ: الحَقِّ وَالرَّحْمَةِ وَالإِيمَانِ. فَالحَرْفِيَّةُ الجَامِدَةُ، حَتَّى لَوْ بَدَتْ تَقْوَى، قَدْ تَكُونُ فِي جَوْهَرِهَا قَسْوَةَ قَلْبٍ لَا بِرًّا.
“تَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ” (مَتَّى ٢٣: ٢٣)
ثَانِيًا: المَعْرِفَةُ الإِلَهِيَّةُ — التَّوَاضُعُ بَدَلَ اليَقِينِ المُتَعَجْرِفِ
المَعْرِفَةُ الحَقَّةُ عِنْدَ الآبَاءِ لَيْسَتْ تَرَاكُمَ مَعْلُومَاتٍ، بَلِ اتِّحَادًا بِاللهِ يُثْمِرُ اتِّضَاعًا لَا غُرُورًا. فَبُولُس نَفْسُهُ، بَعْدَ كُلِّ مَعْرِفَتِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ العَمِيقَةِ، يُقِرُّ بِأَنَّ مَعْرِفَتَنَا الآنَ جُزْئِيَّةٌ وَنَاقِصَةٌ لَا كَامِلَةٌ.
“نَعْرِفُ بَعْضَ عِلْمٍ… أَمَّا الآنَ فَنَنْظُرُ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ” (١كُورِنْثُوس ١٣: ٩-١٢)
وَهَذَا هُوَ جَوْهَرُ مَا يُسَمَّى عِنْدَ الآبَاءِ “اللَّاهُوتَ السَّلْبِيَّ”: إِنَّ اللهَ يَفُوقُ كُلَّ إِدْرَاكٍ بَشَرِيٍّ كَامِلٍ، فَادِّعَاءُ اليَقِينِ المُطْلَقِ بِفَهْمٍ وَاحِدٍ لِلْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ تَجَاوُزٌ لِحُدُودِ المَعْرِفَةِ البَشَرِيَّةِ ذَاتِهَا.
“يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ” (رُومِيَة ١١: ٣٣)
غَيْرَ أَنَّ المَعْرِفَةَ وَحْدَهَا، إِنِ انْفَصَلَتْ عَنِ المَحَبَّةِ، تَنْقَلِبُ إِلَى أَدَاةِ تَعَالٍ لَا بِنَاءٍ. وَهُنَا يَنْفَتِحُ الفَرْقُ بَيْنَ مُؤْمِنَيْنِ كِلَاهُمَا “يَعْرِفُ”: أَحَدُهُمَا يَسْتَخْدِمُ مَعْرِفَتَهُ لِلْإِقْصَاءِ، وَالآخَرُ لِلْبِنَاءِ وَالِاحْتِضَانِ.
“العِلْمُ يَنْفُخُ، وَلَكِنَّ الْمَحَبَّةَ تَبْنِي” (١كُورِنْثُوس ٨: ١)
ثَالِثًا: مِنَ الشُّعُورِ إِلَى الفِعْلِ — مَحَبَّةُ العَدُوِّ حَتَّى المَوْتِ دُونَ مُقَابِلٍ
لَا تَكْتَفِي الوَصِيَّةُ المَسِيحِيَّةُ بِمُجَرَّدِ الِامْتِنَاعِ عَنِ الأَذَى، بَلْ تَدْعُو إِلَى المُبَادَرَةِ الإِيجَابِيَّةِ. هُنَا تَتَحَوَّلُ مَحَبَّةُ العَدُوِّ مِنْ شُعُورٍ دَاخِلِيٍّ إِلَى فِعْلٍ سَبَّاقٍ يَخْدُمُ احْتِيَاجَ الخَصْمِ الأَسَاسِيَّ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهُ أَوْ يَسْتَحِقَّهُ.
“إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ، وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ” (رُومِيَة ١٢: ٢٠)
وَأَسَاسُ هَذَا كُلِّهِ هُوَ “المَحَبَّةُ حَتَّى المَوْتِ دُونَ مُقَابِلٍ”: مَحَبَّةٌ لَا تُشْتَرَطُ بِاسْتِحْقَاقِ الآخَرِ، وَلَا تَتَرَاجَعُ أَمَامَ رَفْضِهِ أَوْ عَدَائِهِ، بَلْ تَبْذُلُ ذَاتَهَا كَامِلَةً وَلَوْ إِلَى الصَّلِيبِ. فَمَحَبَّةُ المَسِيحِ لَمْ تَكُنْ تَبَادُلِيَّةً، بَلْ عَطَاءً مَجَّانِيًّا سَبَقَ كُلَّ اسْتِحْقَاقٍ، وَبَلَغَ ذُرْوَتَهُ فِي بَذْلِ النَّفْسِ حَتَّى المَوْتِ.
“إِذْ كُنَّا بَعْدُ خُطَاةً، مَاتَ الْمَسِيحُ لِأَجْلِنَا” (رُومِيَة ٥: ٨)
وَهَذَا هُوَ النَّمُوذَجُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَذِيَهُ المُؤْمِنُ تُجَاهَ مَنْ يُخَالِفُهُ دِينًا أَوْ فِكْرًا: لَا مَحَبَّةً مَشْرُوطَةً بِالتَّقَارُبِ، بَلْ مَحَبَّةً تَسْبِقُ كُلَّ اسْتِحْقَاقٍ.
رَابِعًا: ثَقَافَةُ أدَارِّة الخَدِّ الآخَرِ
تَبْلُغُ هَذِهِ المَحَبَّةُ ذُرْوَتَهَا العَمَلِيَّةَ فِي وَصِيَّةِ الرَّبِّ يَسُوعَ الَّتِي تَكْسِرُ مَنْطِقَ الثَّأْرِ مِنْ جُذُورِهِ.
“مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا” (مَتَّى ٥: ٣٩)
لَيْسَتْ هَذِهِ دَعْوَةً لِلضَّعْفِ أَوِ الِاسْتِسْلَامِ السَّلْبِيِّ، بَلْ هِيَ خُرُوجٌ مِنْ “لُعْبَةِ” التَّصْعِيدِ كُلِّيًّا: فَلَا يُشَرْعِنُ المُؤْمِنُ العُنْفَ بِرَدٍّ مِثْلِهِ، وَلَا يُظْهِرُ ضَعْفًا خَانِعًا، بَلْ يَتَجَاوَزُ حَتَّى شَرِيعَةَ “العَيْنَ بِالعَيْنِ” الَّتِي حَدَّتِ الِانْتِقَامَ فِي العَهْدِ القَدِيمِ وَلَمْ تُلْغِهِ.
وَالمِعْيَارُ الحَقِيقِيُّ لِصِدْقِ هَذِهِ المَحَبَّةِ لَيْسَ فِي مَحَبَّةِ مَنْ يُشْبِهُنَا، بَلْ فِي مَحَبَّةِ مَنْ يُخَالِفُنَا:
“إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟” (مَتَّى ٥: ٤٦)
خَامِسًا: النُّورُ الَّذِي يُرَى — خَاتِمَةٌ
إِنَّ عِلَاجَ التَّعَصُّبِ الدِّينِيِّ الأَعْمَى، فِي هَذِهِ الرُّؤْيَةِ، لَيْسَ فِي المُجَادَلَةِ أَوْ إِثْبَاتِ صِحَّةِ العَقِيدَةِ بِالكَلَامِ، بَلْ فِي سُلُوكٍ صَالِحٍ يُرَى بِالعَيْنِ:
“هَكَذَا فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مَتَّى ٥: ١٦)
فَالشَّهَادَةُ لِلْحَقِّ لَا تَكُونُ بِحِدَّةِ الخِطَابِ أَوْ إِقْصَاءِ المُخَالِفِ، بَلْ بِإِشْعَاعِ نُورِ حَيَاةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ القَدَاسَةِ وَالمَحَبَّةِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، نُورٍ يَجْذِبُ القُلُوبَ وَلَا يُخِيفُهَا، بِحَيْثُ يَكُونُ المَجْدُ لِلهِ لَا لِلْمُتَحَدِّثِ بِاسْمِهِ.
وَخُلَاصَةُ القَوْلِ: الإِيمَانُ الحَقُّ لَا يُقَاسُ بِصَلَابَةِ الرَّفْضِ، بَلْ بِعُمْقِ التَّوَاضُعِ أَمَامَ سِرِّ اللهِ، وَبِمَحَبَّةٍ سَبَّاقَةٍ تَبْلُغُ حَتَّى المَوْتَ دُونَ مُقَابِلٍ، وَتُبَادِرُ لِخِدْمَةِ حَتَّى الخَصْمِ. فَمَنْ عَرَفَ اللهَ حَقًّا اتَّضَعَ، وَمَنِ اتَّضَعَ أَحَبَّ، وَمَنْ أَحَبَّ لَمْ يُقْصِ أَحَدًا.











