المسيح يحيا فينا

بقلم: الأيبوذياكون ماكسيموس الصّنَاع

«مع المسيح صُلبتُ، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ» (غلاطية 2: 20).

هذه الكلمات تختصر جوهر الحياة المسيحيّة: أن يموتَ الإنسان عن الخطيئة، ويحيا في المسيح، ويدخلَ في شركةٍ حقيقيّة مع الله. وهذا هو سرّ التّألّه في الإيمان الأرثوذكسي؛ فالإنسان لا يتحوّل إلى الله بحسب الجوهر، ولا يذوب فيه، بل يشترك بالنّعمةِ في الحياة الإلهيّة، حتى يصيرَ «شريكًا للطّبيعة الإلهيّة» (2 بطرس 1: 4).

«مع المسيح صُلبتُ» تعني أنَّ الإنسان العتيقَ يموت لكي يحيا الإنسانُ الجديد. ففي المعموديّة نشترك سرّيًّا في موت المسيح وقيامتِه، لكي نسلكَ في جِدَّةِ الحياة (رومية 6: 3-4). لذلك فالصّليب ليس مجرد احتمال للألم، بل تحرّر من سلطان الخطيئة والأهواء. والمسيح لا يطلب منّا إلغاء شخصيّاتِنا أو حرّيّتِنا، بل شفاء إرادتِنا وتوجيهِها نحو الله. وكما خضع المسيح بإرادتِه البشريّةِ لمشيئةِ الآب في جثسيماني، نحن أيضًا مدعوّون إلى أن نتعلّمَ الطّاعةَ والمحبّة والتّواضع (مرقس 14: 36؛ رومية 12: 2).

أمّا قولُه «فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ»، فلا يعني اختفاءَ الإنسان، بل أن تتراجع الذّات الأنانيّة ليظهر فيها الإنسان الجديد الذي يتشكّلُ بحسب المسيح (أفسس 4: 22-24). فالمسيح لا يمحو شخصيّتَنا، بل يقدّسها؛ ولا يلغي إرادتنا، بل يحرّرها من الخطيئة. وعندما يبدأ المسيح بالحياة فينا، يظهر ذلك في المحبّة والغفران والرّحمة والتّواضع، لا في الكلماتِ وحدِها.

وهذه الحياةُ ليست جهدًا بشريًّا منفصلًا عن الله، بل هي عملُ النّعمة والرّوح القدس في الإنسان. فالرّوح القدس يسكن في المؤمن ويجعلُه هيكلًا لله (1 كورنثوس 6: 19)، ويقودُه إلى أن يحيا حياةَ المسيح. لذلك لا يستطيع الإنسان أن يقول إنَّ المسيح يحيا فيه بينما يبقى أسيرَ الكراهيّة والكبرياءِ والخطيئة؛ لأنّ ثمر الرّوح يظهر في المحبّة والفرح والسّلامِ وطول الأناة والصّلاح (غلاطية 5: 22-23).

وهذه الشّركة بالمسيح تُعاش داخلَ الكنيسة، جسده، وليست تجربةً فرديّةً منفصلة عنها. ففي المعمودية نلبس المسيح (غلاطية 3: 27)، وفي الإفخارستيّا نثبت فيه وهو فينا (يوحنا 6: 56). ومن خلال التّوبة والصّلاة والسّهر والجهاد الرّوحي، نتجاوب مع عمل النّعمةِ وننمو في الشّركة معه (متى 26: 41؛ 1 تسالونيكي 5: 17).

لكنّ الصّليبَ يقود إلى القيامة. نحن لا نموت مع المسيح لكي نبقى في الموت، بل لكي نقومَ معه إلى حياة جديدة: «فإن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق» (كولوسي 3: 1). وهنا يظهر المعنى الحقيقي للتّألّه: أن تتجدّدَ حياةُ الإنسان في المسيح، وأن تتحوّلَ إرادتُه وفكرُه ومحبّته شيئًا فشيئًا بنعمة الله.

فكيف نعرف أنّ المسيح يحيا فينا؟ عندما نتعلّم أن نغفر بدل أن ننتقم، وأن نحبَّ بدل أن نكره، وأن نتواضع بدل أن نطلب المجد لأنفسِنا، وأن نقاومَ الخطيئة حتى عندما لا يرانا أحد. عندها يصبح الإيمان حياة، ويصبح المؤمن شاهدًا حيًّا للمسيح في العالم (متى 5: 14-16).

وهكذا، فـ «المسيح يحيا فيّ» ليست مجرّدَ عبارة نتأمّلها، بل دعوة إلى حياة كاملة: صليب يحرّرنا من الخطيئة، وقيامة تمنحنا حياة جديدة، وروح قدس يعمل فينا، وكنيسة نعيش فيها كأعضاء في جسد المسيح، ونعمة تقودنا إلى التّألّه. غايتُنا ليست أن نفقد ذواتِنا، بل أن نجد كمال حياتِنا في المسيح، حتى نستطيع مع الرّسول أن نقول: «حياتُكم مستترةٌ مع المسيح في الله» (كولوسي 3: 3).

Reviews

83 %

User Score

4 ratings
Rate This

Sharing

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *